وقد تكون من باب النذر، كالذي حرم على نفسه الجلوس والكلام مؤقتًا بأن نذر الصوم قائمًا في الشمس ساكتًا، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره بإتمام صومه.. ومنه قوله تعالى عن نبي الله يعقوب: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) [آل عمران: 93] فقد جاء في تفسيرها أنه مرض فنذر على نفسه نذرًا إن شفاه الله أن يمتنع عن أكل أطيب الطعام عنده فحرم على نفسه لحوم الإبل، وذلك قبل أن تنزل التوراة. فلم يكن منهيًا عن مثل ذلك، وقد كانوا إذا حرموا على أنفسهم شيئًا بالنذر أو باليمين لم يجز لهم أن يفعلوه ثم نسخ الله ذلك فنزلت كفارة اليمين. فهو أيضًا من جنس اليمين أو النذر وليس من التشريع في شيء، ولذلك نقل الشاطبي في الاعتصام عن القاضي إسماعيل قوله: "وهذه الأشياء وما أشبهها من الشرائع يكون فيها الناسخ والمنسوخ، فكان الناسخ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة: 87] ، فلما وقع النهي لم يجز للإنسان أن يقول: الطعام علي حرام وما أشبه ذلك، فإن قال إنسان شيئًا من ذلك كان قوله باطلًا، وإن حلف على ذلك بالله كان له أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه" اهـ. فلا يلبس عليك مرجئة العصر فيقولون: "هذا نبي الله قد شرع من تلقاء نفسه ودونما أمر من الله، فهل هو كافر؟؟"، فما هذا بتحريم تشريع، ولو كان كذلك لما كان الناسخ له هذه الآية التي هي في شأن اليمين أو النذر أو الامتناع المجرد زهدًا وتقشفًا.. ثم أنت قد علمت مما تقدم أن إفراد الله في التشريع وعدم إشراك أحد معه في ذلك، هو من أصول التوحيد التي اتفقت عليها كافة الشرائع، وقد كان الإخلال بهذا الأصل من جملة المكفرات التي كفر بها اليهود والنصارى كما عرفت.. وأصل كهذا لا يدخل بحال في أبواب المنسوخ كما هو معلوم في الأصول.. فصح أن مثل هذا لم يكن تشريعًا من نبي الله يعقوب بيقين..
ومثل ذلك ما رواه البخاري ومسلم في النفر الذين سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عبادته.. فقام بعضهم: "أصوم الدهر ولا أفطر" وقال آخر: "وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا".. إلى آخر ما قالوه.. ورغم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنكر عليهم ذلك، وقال: "من رغب عن سنتي فليس مني".. إلا أن هذا كله لا علاقة له بالتشريع أو التبديل كما علمت.. فلا هم شرعوا ولا زعم أحد منهم أن له السلطة التشريعية كما هو حال طغاة العصر.. فلا تغتر بشبه ساقطة كهذه.. فإن هذا كله في واد وواقع طواغيت الزمان في واد آخر..
سارت مشرّقة وسرت مغرّبا شتان بين مشرّق iiومغرّب
فإن الأمر اليوم كما يقول الشيخ عبد المجيد الشاذلي في كتابه (حد الإسلام وحقيقة الإيمان) ص (376) عن واقعنا، بعد أن سرد نصوصًا من القوانين الوضعية، وحقائق حول الدساتير ونصوصها.
قال: "والآن.. هذا الواقع قد تجاوز حد التشريع المطلق إلى الإقرار الصريح بحق التشريع لغير الله.