بحيث أن نصوص الشريعة لا تكتسب صفة القانون - عندهم - لو أرادوا العمل بها إلا بصدورها عمن يملك حق التشريع - عندهم - تعبيرًا عن إرادته، وهذا فقط هو الذي يعطيها صفة القانون فشأنها في ذلك كشأن غيرها من العرف أو القانون الفرنسي أو آراء فقهاء القانون أو ما استقرت عليه المحاكم.
أما صدورها عن الله سبحانه وتعالى فلا يعطيها صفة القانون لأنه - عندهم - ليس مصدر السلطات وليس من حقه التشريع" اهـ.
ويقول ص (367) : "وهذا الواقع قد تجاوز مرتبة المعصية أو البدعة بل قد تجاوز التشريع المطلق إلى ما وراء ذلك، كيف تختلط قضية المعاصي بقضية التشريع مع ما بينهما من البون الشاسع؟".
"وإذا كانت البدعة متميزة عن المعصية بفوارق واضحة جدًا، وما ذلك إلا لوضعها على مضاهاة التشريع. أفلا يتضح الفرق بين المعصية والتشريع المطلق؟" اهـ.
ويمكننا أن نقول في خلاصة هذا الموضع أن لفظة التحريم، لفظة مشتركة مثل بقية الألفاظ التي تحمل أكثر من معنى، فبعض معانيها لغوي أو عرفي وبعضها شرعي.. كلفظة الإيمان فإنها في اللغة التصديق ولكن الله تعالى نقلها إلى مسمى ومعنى شرعي غير المعنى اللغوي فزادها قول اللسان وعمل القلب والجوارح، وكذلك الكفر فكما أن للكفر معناه اللغوي وأصله تغطية الشيء، فيدخل فيه كفران العشير وكفران النعمة وغير ذلك من الأعمال التي يطلق عليها الله تعالى لفظة الكفر، ولا يراد بها الكفر الناقل عن الملة ومنها - كما عرفت - ما هو ناقل عن الملة. وكذلك الشأن في لفظة التحريم هذه.. فإنها تطلق على معان - وإن كانت مذمومة قد نهى الله تعالى عنها - ولكنها لا تصل إلى الشرك والكفر، كالامتناع عن بعض الطيبات التي أحلها الله تعالى سواء بالأَيْمان أو زهدًا وتقشفًا ورهبانية [3] وكذلك تطلق على التشريع الذي إن صرف إلى غير الله سبحانه كان شركًا وكفرًا أكبر مخرجا عن ملة الإسلام.
فالله عز وجل يسمي ما يشاء بما شاء، ونحن ليس لنا من الأمر شيء إلا أن نقول سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.. يقول ابن حزم رحمه الله تعالى في الفصل (3/229) : "إننا لا نسمي في الشريعة اسمًا إلا بأن يأمرنا الله تعالى أن نسميه، أو يبيح لنا الله بالنص أن نسميه، لأننا لا ندري مراد الله عز وجل منا إلا بوحي وارد من عنده، ومع هذا فإن الله عز وجل يقول منكرًا لمن سمى في الشريعة شيئًا بغير إذنه عز وجل: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى) [النجم: 23-24] .
فصح أنه لا تسمية مباحة لملك ولا لنبي دون الله تعالى، ومن خالف هذا فقد افترى على الله عز وجل الكذب، وخالف القرآن.." اهـ.