الوجه الثالث: أن هذا الأمر إنما يكون في جهاد الطلب، أما جهاد الدفع فليس محل خلاف مطلقًا; وجهاد الدفع من أعظم الجهاد، كما قال شيخ الإسلام (الفتاوى 28/359) :
"فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين، لإعانتهم، كما قال الله تعالى (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم، وسواء أكان الرجل من المرتزقة للقتال، أو لم يكن، وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله، مع القلة والكثرة، والمشي والركوب، كما كان المسلمون، لما قصدهم العدو عام الخندق ولم يأذن الله في تركه أحدًا كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو، الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج. بل ذم الذين يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم (يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا) (الأحزاب: من الآية13) ، فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس، وهو قتال اضطرار، وذلك - يعني جهاد الطلب - قتال اختيار; للزيادة في الدين وإعلائه ولإرهاب العدو، كغزاة تبوك ونحوها".
الوجه الرابع: أننا لو تنزلنا درجات، وسلمنا أن هذا الحكم غير منسوخ، وأن بين المسلمين وبين الأمريكان (مواثيق لم ينقضوها) ، وأن هذا الأمر ليس فيمن ترك الهجرة، فإن غايته ترك نصرة أولئك المسلمين فقط، ولا يدل بحال من الأحوال على نصرة الكفار عليهم. ...