فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 370

وكالصولجان الذي لا يستطيع أن يخرج مما عطف عليه وثني عليه ورد إليه إلى خلاف ذلك أبدا. والله نسأله التوفيق

يقول الإمام العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في فوائده:

لَمَّا أعْرَضَ النّاسُ عَنْ تحكيمِ الكتابِ والسنّةِ، والمحاكمة إليهما، واعْتقدوا عَدَمَ الاكتفاءِ بهما، وعَدَلوا إلى الآراءِ، والقياسِ، والاسْتِحْسَانِ، وأقوالِ الشيُوخِ، عَرَضَ لهُم مِنْ ذلكَ فسَادُ في: فِطَرِهِم، وظُلْمَة في قلوبهم، وَكَدَرُ في أفهامهم، ومَحْقٌ في عقولهم، وعَمَّتهم هذهِ الأمورُ، وغَلَبَتْ عليهم، حتَّى: رَبَى فيها الصغير، وهَرَمَ عليها الكبير، فلم يروها منكرا

فجاءتهم دولة أخرى: قامتْ فيها البدعُ مقامَ السنن، والنَّفْسُ مقامَ العقلِ، والهوى مقامَ الرُشْدِ، والضلال مقام الهدى، والمنكرُ مقامَ المعروفِ، والجهلُ مقامَ العلمِ، والرياءُ مقامَ الإخلاصِ، والباطلُ مَقامَ الحقِّ، والكذبُ مقامَ الصدق، والمُداهَنَة مَقامَ النّصيحةِ، والظلم مَقامَ العدلِ. فصارتِ الدولةُ والغلبةُ لهذهِ الأمورِ، وأهلها هُمُ المشارُ إليهم، وكانت قبل ذلك لأضدادها، وكان أهلها هم المشار إليهم.

فإذا رأيتَ دولة هذه الأمورِ قَدْ أقْبَلَتْ، وراياتُها قد نُصِبَتْ، وجيوشُها قَدْ رُكِبَتْ، فَبَطْنُ الأرضِِ والله خَيرٌ مِن ظَهرِها، وقُلَلُ الجبالِ خيرٌ من السهولِ، ومخالطةُ الوحشِ أسلمُ من مخالطة الناسِ.

اقشعرّتِ الأرضُ، وأظلمتِ السماءُ، وظهَرَ الفسادُ في البَرِّ والبَحرِ مِنْ ظُلْمِ الفجرةِ، وذهَبَتِ البركاتُ، وقَلَّتْ الخيراتُ، وهَزُلَتْ الوحوشُ، وتَكَدَّرتْ الحياةُ مِنْ فِسْقِ الظّلَمَةِ، وبكى ضوءُ النهارِ وظلمةُ الليلِ مِنَ الأعمالِ الخبيثةِ والأفعالِ الفظيعةِ، وشكا الكرامُ الكاتبونَ والمعقباتُ إلى ربِّهم مِنْ كثرةِ الفواحشِ، وغلبة المنكراتِ والقبائحِ!!

وهذا - والله - مُنْذِرٌ بِسَيْلِ عذابٍ، قَدِ انعقدَ غَمَامُهُ، ومُؤْذِنٌ بلَيْلِ بلاءٍ، قَدِ ادْلَهَمَّ ظَلامُهُ، فاعْتَزلوا عنْ طريقِ هذا السبيلِ بِتوبةٍ نَصُوحٍ، ما دامتِ التوبةُ مُمَكَّنَةٌ، وبابُها مفتوحٌ، وكأنّكُمْ بالبابِ وقدْ أُغْلِقَ، وبالرَّهْنِ وقدْ غَلِقَ، وبالجَنَاحِ وقد عُلِّقَ، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: من الآية 227] .

اشْتَرِ نَفْسَكَ اليومَ فإنّ السوقَ قائمةٌ، والثمَنُ مَوْجودٌ، والبضائِعُ رَخيصَةٌ، وسيأتي على تلك السوقِ والبضائعِ يومٌ لا تَصِلُ فيها إلى قليلٍ ولا كثيرٍ، {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: من الآية 9] {يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} [الفرقان: من الآية 27] .

إذا أنْتَ لمْ تَرحَلْ بزادٍ مِنَ التقى ... وأبْصَرْتَ يومَ الحَشْرِ مَنْ قَدْ تَزوَّدا

نَدِمْتَ على أنْ لا تكونَ كَمِثلهِ ... وأنَّك لم تُرْصِدْ كَما كانَ أرْصَدا

انتهى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت