فيسارعون في تنفيذ أمر الله تعالى ويسابقون في فعل الطاعات كفعل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما إذ جاء أحدهما بماله كله وجاء الآخر بنصف ماله طاعة لله ورسوله ومبادرة لفعل الخيرات، فكانت غايتهم رضوان الله تعالى وهمهم وشغلهم توحيده وإقامة دينه في الأرض لذلك سادوا فسعدوا وجاهدوا فظفروا بإحدى الحسنيين ونصروا دين الله فنصرهم الله تعالى وأعلى مكانتهم.
التربية والجهاد:
وفي هذا الوقت وقد ارتفعت راية الجهاد - ولله الحمد - في كثير من بقاع الأرض وسرت شعلة الجهاد متوقدة في قلوب كثير من شباب الإسلام حتى أغاظت أعداء الله تعالى وأقلقتهم في مضاجعهم، بدأت تعلو أصوات تعيب على المجاهدين جهادهم في سبيل الله وإثخانهم في أعداء الله وتنادي إلى منهج مبتور مرقع أُسس على غير منهج السلف، وتسلك طريقا ليست طريق الأولين، سمته البارزة التي يدعو إليها وركيزته التي يعتمد عليها هي "دعوى التربية".
وليت تلك الأصوات المنادية بضرورة التربية اتبعت الفهم السليم وسلكت الطريق المستقيم، إذا لكان الخطب يسيرً وان وقع الخلاف بعدها في كيفية التطبيق ولكن لمَّا نأوا بأنفسهم وانفردوا بفهمهم، منعزلين في ذلك عن الاستقاء الصحيح والاستدلال الصريح من أي من الوحيين، كانت نتائجه ما نرى ونعاين وآثاره ما نشعر ونعاني، وغدا في الحقيقة منهجًا للتبرير لا مسلكًا للتغيير، شعر أهله أو لم يشعروا، ولكنها الحقيقة التي لا تجحد أو ترد.
وإلا فبأي كتاب أم بأية سنة احتج هؤلاء لما يقولون؟ وكيف تعطل النصوص؟ وتأخر الأوامر بحجة أن النفوس ليست قابلة لتطبيقها لما في القلوب من درن وما عليها من حوب وذنوب؟ وهل ثمة حجة اقبح أو اسهل في التنصل من أوامر الله وإسقاطها من هذه؟ وهل ألفى طغاة العصر وعتاة الدهر سلاحا أنكى في صدور أعدائهم من هذا؟ وهل كل ما استحسنته عقولنا أو رضيته نفوسنا؟ نقبنا له بتكلف وتعسف ما يبرره لنجعله حجة في دين الله تعالى، ندفع بها في وجوه الآخرين، أهذا هو منهج السلف الذي ندعو إليه ونوالي ونعادي عليه؟
والجهاد كما نعلم عبادة أمر الله تعالى عباده بأدائها وجعلها باقية إلى قيام الساعة كما اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (الجهاد ماض إلى يوم القيامة) وقد تجلى لنا من قبل المفهوم الحقيقي والتصور الصحيح للتربية وفقا لدلائل الآيات والأحاديث والفهم المستقيم من أئمة الإسلام ونوابغه الأعلام.
وعليه فإن عبادة الجهاد هي افضل ما يزكي العبد به نفسه وينقيها من درنها ورانها بعد الإيمان بالله تعالى كما قال سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ