فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 370

السلف الصالح نتيجة طبيعية وأمر حتمي لابد منه لمن سلك طريق الحق والتحق بقافلة الإسلام العظيمة، فلا قدوم على الله تعالى يُرجى منه الفلاح إلا بتزكية العبد نفسه بالسير على منهج الله عزَّ وجلَّ كما اخبر سبحانه (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) .

التربية ليست مرحلة زمنية:

والتربية ليست فترة زمنية تسبق امتثال الأمر الرباني وتطبيق الحكم الشرعي، بل هي عين امتثال الأمر الرباني وتطبيق الحكم الشرعي، ولتوضيح هذه المسألة.

هَبْ أن رجلًا وصله أمر الله عزَّ وجلَّ بإقامة الصلاة فصارت في حقه واجبة وهو بتركها آثم بل كافر في أصح قولي أهل العلم، فقال أنا مُقر بهذا الأمر وأدعو إليه، وإن كان ممن أوتى جدلًا أو صاحب قلم سيال، فسيذكر فضائل الصلاة والترغيب فيها ومحاسنها ثم يعلل عدم أدائه إياها بعدم التربية حيث أنه عاكف على تربية نفسه وتأهيلها وتهيأتها للقيام بهذا الأمر فيطلب العلم في الصلاة وأركانها ويسعى جاهدًا - على قوله - أن تتسع دائرة الراغبين في أدائها وينتظر الحصول على مساجد لأداء الصلاة فيها وغيرها من الأمور والأعذار التي قد يأتي بها.

والسؤال الذي لابد منه هل هذه هي التربية ... وهل هكذا تكون تزكية النفس ؟ وهل سلف الأمة الصالح رضي الله عنهم عرفوا مثل هذه التربية ؟

لاشك ولا ريب أن هذا الفهم للتربية فهم منحرف غاية الانحراف عن منهج خير القرون، وهو هوى وضلال لا يعرفه إلا متبع لهوى نفسه، أو امرئ لا يدرك حقيقة ما يقول وهو مجانب لمنهج الحق الذي ارتضاه الله عز وجل لخلقه المؤمنين اتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولا شك أيضا أن سلف الأمة الصالح ما عرفوا هذا النوع من التربية ولا اتخذوه منهجًا في سيرهم إلى الله تعالى، بل لقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل بعضهم بعضًا عن آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتبعوه ويعملوا به على الفور حتى سخر منهم المنافقون واستهزؤا بقولهم كما حكى الله تعالى ذلك في قوله (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) ، وكان هذا ديدن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينفذون أمر الله عز وجل على الفور ليزكوا أنفسهم ويطهروها بمنهج الله الرشيد.

ومن ذلك قول عائشة رضي الله عنها عندما نزلت آية الحجاب قالت (يرحم الله النساء المهاجرات الأُول لمَّا أنزل الله(وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شققن اكتف مروطهن فاختمرن بها) [رواه أبو داود] ، وما فعلته الصحابيات الجليلات والصحابة جميعا إلا دليل على فهمهم الحق ومعرفتهم الصائبة لمعنى التزكية والتربية لأنفسهم واستجابة لقول الله تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) ، وقوله تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت