فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 49

وقد يظن كثير من الناس أن الجاهلية فترة معينة من الزمن كانت في الجزيرة العربية قبل الإسلام بسبب عبادة الأصنام، ولكن الجاهلية كما وصفها الإنسان حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدي الإسلام، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة 50) . ولم يقل القرآن أن العرب كانوا في جاهلية لأنهم لا يعرفون الفلك والطبيعة والكيمياء والطب، أو لأنهم لا يعرفون النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو لأنهم قاصرون في ميدان الإبداع والإنتاج، وإنما اعتبرهم في جاهلية لأنهم يحكمون أهواءهم ويرفضون حكم الله تعالى. ولهذا قصَّ القرآن الكريم علينا حضارات كثيرة في أمم مضت وكانت أكثر تحضرًا من العرب حين جاءهم الإسلام، ومع ذلك اعتبرها القرآن جاهلية لأنها لا تهتدي بهدي الله تعالى، قال تعالى:

{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (الروم 9) . إذًا فالذين يتبعون أهواءهم ولا يتبعون ما أنزل الله هم في جاهلية أيًَّا كان مبلغهم من العلم البشري.

فإن كانت الجاهلية العربية القديمة تعبد أوثانًا محسوسة فإن الجاهلية الحديثة التي أنتجتها الثقافة الغربية شأنها أوعر وأخبث وأخطر، فهي جاهلية العلم والبحث والدراسة والنظريات والقوانين والأنظمة، وجاهلية المكر والكيد المخطط لتدمير البشرية على أسس علمية، إنها جاهلية لا مثيل لها في التاريخ.

المطلب الرابع: استخدام التقنية الحديثة لخدمة الثقافة الإسلامية:

لقد حث الإسلام على العلم والمعرفة في كل الميادين، فقد بدأ العلم مع بداية نشأة الخليقة بأبينا آدم عليه السلام، حينما هبط من الجنة إلى الأرض ليعمرها، وكان مزودًا بجميع أنواع العلم التي تكفل له حياته على الأرض، قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة 31) ، والذي يقتضيه لفظ (كلها) الإحاطة والشمول، ولهذا جعل الله تعالى العلم الحجة البالغة على الملائكة حين بدا لهم أن تسبيحهم وتقديسهم لله يؤهلهم لخلافة الأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت