اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (الفتح: 26) . كما وفضح القرآن الكريم ثقافة المنافقين وطبيعتهم وما تكنُّه صدورهم من عداء ومكر بالإسلام وأهله في آيات عديدة، بل سُميت سورة كاملة باسمهم وهي سورة المنافقون، كما وسُميت سورة التوبة أو براءة بالفاضحة والبحوث لأنها فضحت المنافقين وبحثت عن أسرارهم [1] .
هذه بعض النماذج والأمثلة من منهج القرآن الكريم في تعرية المعتقدات والثقافات الفاسدة، فينبغي علينا الاستفادة من هذا المنهج والسير عليه في مواجهة الغزو الثقافي، خاصة وأن الثقافة الغربية في هذا العصر اجتاحت العالم الإسلامي بأفكارها وقوانينها ونظمها وأساليبها المتعددة. فصار لزامًا علينا دراسة الثقافة الغربية دراسة واعية فاحصة لحقيقتها وجوهرها ومصادرها وخصائصها وأهدافها وأساليبها وصورها، ودراسة أثرها في واقع الحياة الدينية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
إن الناظر والمتأمل في واقع الشعوب الغربية التي لا تنتمي إلى الإسلام، يدرك عريها من القيم والأخلاق الفاضلة التي جاءت بها ثقافة الإسلام، فالأسرة عندهم لا نظام لها والقبلية لا قانون لها والأمة لا دستور لها، إنما هو الطغيان يتحكم في الفرد ويسيطر على الجماعة، فالعالم في قلق شامل واضطراب شديد يتخبط في ضلالة عمياء وفي جهالة جهلاء، حتى أكل القوي الضعيف وقهر الغني الفقير، واندلعت نيران الحروب بين الأمم والشعوب، فرويت الأرض بالدماء واستغاثت الأرض بالسماء، وضربت الفوضى أطنابها في كل مكان، وتولى الشيطان قيادة الإنسان فزين له البهتان، وأقيمت الوحشية مقام الإنسانية، وحلَّت الرذيلة مكان الفضيلة، وظهر شباب مائع تسيطر عليه الغريزة البهيمية يتلمس النساء الكاسيات العاريات، فانتشر التبرج والسفور وشاعت المخدرات والخمور، كل ذلك باسم الحضارة والمدنية وباسم ثقافة الحرية والتحرر.
لقد بلغ الإنسان في هذا العصر أوجًا من العظمة لم يبلغه في تاريخه كله، وبلغ من القوة والسيطرة والجبروت مدى لم يحلم به سكان الكوكب الأرضي قبل مئات السنين بل وعشراتها، ومع هذا فإن الإنسان الغربي في جاهلية عمياء وبكماء وصماء.
(1) انظر: الجامع لأحكام القرآن أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي 8/ 61.