... وإنما سمي طالب العلم: ما تقول، لكثرة ما كانوا يقولون في الزمان الأول. ما تقول في هذه المسألة؟.
... وإنما تفقه أبو حنيفة رحمه الله بكثرة المطارحة والمذاكرة في دكانه حين كان بزازا [1] .
... فبهذا يعلم أن تحصيل العلم والفقه يجتمع مع الكسب.
... وكان أبو حفص الكبير يكتسب ويكرر العلوم، فإن كان لا بد لطالب العلم من الكسب لنفقة العيال وغيره فليكتسب وليكرر وليذاكر ولا يكسل.
... وليس لصحيح العقل والبدن عذر في ترك التعلم والتفقه، فإنه لا يكون أفقر من أبى يوسف، ولم يمنعه ذلك من التفقه. فمن كان له مال كثير فنعم المال الصالح للرجل الصالح، المنصرف في طريق العلم [2] .
... قيل لعالم: بم أدركت العلم؟ قال: بأب غني. لأنه كان ينتفع به أهل العلم والفضل، فإنه سبب زيادة العلم لأنه شكر على نعمة العقل والعلم، وإنه سبب الزيادة.
... قيل: قال أبو حنيفة رحمه الله: إنما أدركت العلم بالحمد والشكر، فكلما فهمت ووفقت على فقه وحكمة قلت: الحمد لله، فازداد علمى.
... وهكذا ينبغى لطالب العلم أن يشتغل بالشكر باللسان والجنان والأركان والحال ويرى الفهم والعلم والتوفيق من الله تعالى ويطلب الهداية من الله تعالى بالدعاء له والتضرع إليه، فإن الله تعالى هاد من استهداه.
... فأهل الحق ـ وهم أهل السنة والجماعة ـ طلبوا الحق من الله تعالى، الحق المبين الهادى العاصم، فهداهم الله وعصمهم عن الضلالة.
... وأهل الضلالة أعجبوا برأيهم وعقلهم وطلبوا الحق من المخلوق العاجز وهو العقل، لأن العقل لا يدرك جميع الأشياء كالبصر، فإنه لا يبصر جميع الأشياء فحجبوا وعجزوا عن معرفته، وضلوا وأضلوا.
(1) البزاز: بائع الثياب والمنسوجات.
(2) المعنى مأخوذ من حديث رسول الله ( نعم المال الصالح للرجل الصالح) الذى رواه الإمام أحمد 4/ 197، 202.