متقاربةً، فأفضى هذا التقارب إلى صعوبة قراءة البيت، حتى أن القارئ لا يملك لسانه من التعثر في قراءته، إذا ماجاء على مثاله في شواهد الخروج عن الفصاحة.
ولتطبيق أُصول هذا المبحث على النصّ القرآني نقف، على سبيل المثال، عند قوله تعالى: (الحْمدُ لله ربِّ العالمين) لنجد أن الكلمات جاءت في نسقٍ صوتيٍّ يَنْساب من فم القارئ انسيابًا رقراقًا اعتمد على نظامين:
الألف في كلمة (الحمد) ألف ساكنه، والابتداء بالسَّاكن أمر عسير على اللسان، ولذلك تمَّ تحريك السَّاكن، ومن ثَمَّ قِيْلَ إن العرب لا تبدْأُ بساكن.
إذا، الألف متحركة، صوتًا، واللام ساكنة، ومن الملاحظ أن الصَّوْتَ عند السكون يأخذ هيئةً مستقرّةً، من شأنها أن تحقق للّسانِ حرِّيَّةً وسلاسةً في الحركة لإنتاج هذا الحرف أو ذاك. وقد يأتي الساكن بعد متحركين أو ثلاثة، ومستند الانتقال من متحرك إلى آخر هو أن الحركات الثلاث الفتحة والكسرة والضمة تمثل منطلقات لنطق هذا الحرف أو ذاك.
النظام الثاني: تباعد الحروف المتشابهة
لم يَردْ في الآية تقاربٌ أو تجاورٌ بين الحروف المتشابهة، كالذي رأيناه في حروف القاف والباء والراء في بيت الشعر المذكور قبل قليل.
ومن شأن اختلاف الحروف المتجاورة أن يُحِّقق السَّلاسة في انطلاقة الحرف الثاني من نهاية الأول، وانطلاقة الثالث من نهاية الثاني ... وهكذا إلا أننا نجد أن قوله تعالى (لله) اجتمعت فيه ثلاث لامات متتالية، لام الملكية واللامان الأولى والثانية من لفظ الجلالة، ومع ذلك فقد جاء النطق سلسًا إلى أبعد حدود السلاسة ...