الصفحة 62 من 97

فكانت هذه المناصفة في الحديث القدسي دليلًا بالغًا على أنّ الفاتحة تُحَقق تواصلًا مباشرًا بين العبد ورِّبه، إذْ كان لكلٌ آيةٍ يقرؤها العبد من سورة الفاتحة رد لها، وكأنه جزءٌ من الفاتحة، فكانت الفاتحة بآياتها السبع للنصف الذي يتعبد به الإنسان في الحياة الدنيا، وكانت الردود عليها النصف الآخر، ولكنه نصف غيبي خاصٌ بالله تعالى.

ومما يوثق هذا المعنى أن الحديث المذكور من الأحاديث القدسية التي تتوافق مع نص القرآن في أن كلًا منهما كلام الله تعالى، وتختلف عنه في كون المعنى من الله تعالى واللفظ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان قوله سبحانه (مجَّدني عبدي، أثنى عليّ عبدي، هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) من قوله المباشر بنصٍّ غير مباشر، وكان لزومُ هذه الكلمات لسورة الفاتحة سببًا لِكَوْنها نِصْفًا والفاتحة نْصفًا.

3 -دلالةُ المجْدِ والثناءِِ

ردّ المولى عز وجلّ على الآيتين:

(الحمد لله ربّ العالمين)

(مالك يوم الدين) بقوله: (مجَّدني عبدي) .

فما هي دلالة المجد؟

شرح أهل اللغة كلمة (مجَّدني) بقولهم: شرَّفني وعظَّمني.

ثم عَّرفوا المجد بقولهم: إذا اقترن شرف الذات بحُسْن الفعَال سُمِّي مجدًا، فكان لفظ الجلالة (الله) داّلًا على شرف الذات، وهو ما فصلنا فيه القول في أول الكتاب، أما حُسْن الفعَال فهو ما يدلّ عليه: (رب العالمين) و (مالك يوم الدين) وهو، أيضًا مما فصَّلنا فيه القول سابقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت