عليها حِرْصًا، وأشدّ لها طلبًا، وأعظم فيها رغبةً. قال: فممّ يتعوّذون؟ قال من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها، قال: يقول كيف أنهم لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدّ منها فرارًا، وأشدّ لها مخافةً، قال: فيقول: فأشهد إني قد غفرتً لهم ... ) رواه البخاري ومسلم
فالقومُ كان ذكرهم لله خطابًا مباشرًا (يسبحونك ويكّبرونك ويحمدونك ويُمجِّدونك فلم يقابلهم جل شأنه بالرد المباشر، بل إلى أن ألقي خطابه إلى الملائكة بما يفيد أنه غفر لهؤلاء الذاكرين.
* في الآيات الأربع الأولى جاء الكلام مبنَّيًاُ على ضمير الغيبة. أما قوله ... (إياك نعبد) إلى قوله (اهدنا الصراط ... الآية) فقد تمَّ بناؤه على ضمير الخطاب، وهذا النسق أسلوب من أساليب البلاغة يسمّى (الالتفاف) أي الالتفاف بالكلام من نسق إلى آخر، لإخراج الكلام من رتابة التعبير بالنسق الواحد.
ولكن الفاتحة ليست بذلك الطول الذي قد يوقع القارئ في الملل بسبب رتابة النَّسق الواحد، ولهذا فإن الالتفات في السورة جاء ليحمل دلالات أخرى، أعلاها مرتبة التفات العبد إلى حقيقة وجود الله تعالى وإلى ما هو واجب له في ظل هذه الحقيقة.
إنَّ الله تعالى غيب، ولذلك جاء الكلام في الآيات الثلاث الأولى معتمدًا ضمير الغيبة مناسبة لحقيقة وجود الله تعالى أمام الإنسان. فإذا آمن الإنسان بذلك الغيب وما يجب عليه أن يعتقده في شأنه، أصبح ذلك الغيب حقيقة لا ريب فيها، فناسبها أن تكون الآيات الثلاث التالية: (إيّاك نعبد وإياك نستعين، اهدنا .... ) قائمة على