التحريم والكراهة، والأمر متردد بَيْن الوجوب والندب والإباحة (عند البعض) ، ولَمّا كانت قلة المَحامل أَبْعَد عن الاضطراب كان النهي مقدَّمًا على الأمر.
الدليل الثالث: أنّ الطلب في النهي أشدّ مِن الأمر؛ لاقتضائه لِلدوام، ... فلا يتحقق النهي إلا بدوام ترك المنهيّ عنه، أمّا الأمر فإنّه يتحقق بفعل المأمور به مرّةً واحدةً (إنْ كان الأمر والنهي كُلّ واحد منهما مطلقًا) ، وما كان الطلب فيه أشدّ أَوْلى، ولذا رجَّحْنَا النهي على الأمر (1) .
المذهب الثاني: التساوي بينهما.
وهو اختيار الفخر الرازي - رحمه الله تعالى - وجماعة، منهم: البيضاوي والزركشي رحمهما الله تعالى (2) .
واحتجّوا لِذلك: بأنّ كُلّ واحد مِن الأمر والنهي يشارك الإباحة مِن وجْه ويخالفها مِن وجْه آخَر، وعليه فكُلّ واحد منهما ناقل مِن وجْه ومبقٍ مِن وجْه آخَر، وإذا كانا كذلك فَهُمَا متساويان، وترجيح أحد المتساوييْن على الآخَر بغير قرينة لا يجوز (3) .
مناقشة هذا الدليل:
وأرى مناقشة هذا الدليل: بأنّنا سلَّمْنا تساوي الأمر والنهي مِن هذا الوجه، لكن لا نسلِّم تساويهما في شدة الطلب وجلب المصالح ودفع المفاسد والمَحامل، وحيث قد ثبت أنّ النهي أشدّ في الطلب وأنّ الطلب فيه دافِع لِلمفسدة كما أنّ مَحامله أقلّ؛ لِكُلّ ذلك كان ترجيح النهي على الأمر
(1) يُرَاجَع: الإحكام لِلآمدي 4/ 259 وبيان المختصر 3/ 384 وشرح الكوكب المنير 4/ 659 وشرح المحلي مع حاشية البناني 2/ 368 وأدلة التشريع المتعارضة /105، 106 والتعارض والترجيح عند الأصوليين /367، 368
(2) يُرَاجَع: المنهاج مع شرحه 2/ 806، 807 والبحر المحيط 6/ 172
(3) يُرَاجَع: المحصول 2/ 468 وأدلة التشريع المتعارضة /105