إذا تقرر ذلك .. فإنّ حَمْل المطلق على المقيد أو ترجيح المقيد يرجع إلى اتحاد الحُكْم والسبب فيهما أو اختلافهما في حالات خمس، نوجزها فيما يلي ..
الحالة الأولى: أنْ يختلفا حُكْمًا وسببًا.
نَحْو: قوله تعالى في كفارة الظهار {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} (1) مع قوله تعالى في صفة الشاهد {وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُم} (2) ..
فالحُكْم الأول وجوب تحرير رقبة، وهو مطلق، وسببه الظهار.
والحُكْم الثاني اشتراط العدالة في الشاهد، وهو مقيد، وسببه حفظ الحقوق.
ولَمّا كان النصان مخْتلفيْن حُكْمًا وسببًا فلم يُحمَل المطلق (رقبة) في الأول على المقيد (العدالة) في الثاني.
ومثاله في السُّنَّة: قوله - صلى الله عليه وسلم - {لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَء} (3) مع قوله - صلى الله عليه وسلم - {أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ تَحَابُّوا} (4) ..
فالخبر الأول الحُكْم فيه حرمة جَرّ الثوب، وسببه الكِبْر، وهو مقيد بـ {خُيَلاَء} .
والخبر الثاني الحُكْم فيه ندب إفشاء السلام، وسببه المحبة والألفة بَيْن المسلمين، وهو مطلق.
(1) سورة المجادلة مِن الآية 3
(2) سورة الطلاق مِن الآية 2
(3) أَخْرَجَه البخاري في كتاب اللباس: باب مَن جَرّ إزارَه مِن غير خيلاء برقم (5338) ومسلم في كتاب اللباس والزينة: باب تحريم جرّ الثوب خيلاء برقم (3887) والترمذي في كتاب اللباس عن رسول الله: باب ما جاء في كراهية جرّ الإزار، كُلّهم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(4) أَخْرَجَه مسلم في كتاب الإيمان: باب بيان أنّه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون برقم (81) والترمذي في كتاب الأطعمة عن رسول الله: باب ما جاء في فضل إطعام الطعام برقم (1777) وأبو داود في كتاب الأدب: باب في إفشاء السلام برقم (4519) ، كُلّهم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.