ولِذَا كان ما رواه الأكثر أقوى في الظن، فيقدَّم.
الوجه الثالث: أنّ الأصل - وهو عدم الترجيح بكثرة الشهود وعدالتهم - غَيْر مسلَّم عند الجميع؛ فقد نُقِل عن بعضهم جواز الترجيح به، وإذا انتفى الحُكْم في الأصل كان في الفرع أَوْلَى (1) .
الدليل الثالث: أنّ كثرة عدد المجتهدين في مسألة لا يوجِب قوّةً في اجتهادهم، فكذلك كثرة عدد الرواة لا يوجب قوّةً لِهذا الخبر الذي رووه.
مناقشة هذا الدليل:
وقد نوقش هذا الدليل: بأنّ قياسكم الخبر على مسألة مجتهَد فيها قياس مع الفارق؛ لأنّ العلم لا يقع باجتهاد المجتهدين أبدًا دائمًا، وإنما يقع العلم إذا أجمعوا على الحُكْم المجتهَد فيه بإجماعهم دون اجتهادهم ..
والعلم الواقع بخبر التواتر إنما يقع بخبر العدد المخصوص دون سواه أمّا الخبر فإنّه يفيد ظنًّا لِمَن أخبره، وكلما كثر عدد المخبرين قوي الأثر في النَّفْس وبَعُد عن التهمة والشك (2) .
والأَوْلَى عندي: ما عليه أصحاب المذهب الأول القائل بالترجيح بكثرة الرواة؛ وذلك لِقوة أدلتهم المدعمة بالسُّنَّة وفِعْل الصحابة - رضي الله عنهم -، ولأنّ الجماعة أكثر حفظًا وأقوى ضبطًا مِن الفرد، كما أنّ أدلتهم سلمت مِن المناقشة والاعتراض، وفي المقابل لَمْ تَسلَم أدلة المانعين مِن ذلك.
ومما يعضد ترجيحي: ما ذكره إمام الحرمين الجويني - رحمه الله تعالى - في قوله:"والوجه في هذا عندنا: أنّ المجتهدين إذا لَمْ يجدوا متمسكًا إلا بالخبر وتعارض في الواقعة خبران واستوى الرواة في العدالة والثقة وانفرد بنقل أحدهما واحد وروى الآخَرَ جَمْع فيجب العمل بالخبر"
(1) يُرَاجَع: الواضح 5/ 79 والعدة 3/ 1023 وإحكام الفصول /738، 739 وشرح الكوكب المنير 4/ 633 وأدلة التشريع المتعارضة /121 والتعارض والترجيح عند الأصوليين /310
(2) يُرَاجَع: الواضح 5/ 79، 80 والعدة 3/ 1023 وأدلة التشريع المتعارضة /121