وأمَّا مذهبُ الإمامِ أبي حنيفة: فإن ثبتَ أنَّ القرآنَ اسمٌ للمعنى، أو لكلٍّ من المعنى والمبنى، فلا ريبَ في كونِهِ أقوى، وإلا فلا يخفى ما فيهِ على أولي النُّهى، ومع هذا فلا طعنَ عليه في ذلك، فإنَّ المجتهدَ إن أخطأَ يعذرُ فيما هنالك، كيفَ ولهُ على مذهبِهِ دلائلُ شافية، ومقدِّماتٌ كافية، وإن كانت عند غيرِهِ مجروحةً ومقدوحة، وللهِ درُّهُ وعلى مقلِّدِيه شكرُه؛ حيث رجعَ عن قولِهِ إلى قولِهما إذ لاحَ لهُ ضعفُ دليلِه، وقوَّةُ دليلهما، وبمثلِ هذا فليعملْ العاملون، ولمثلِ هذا فليتنافسْ المتنافسون.
قال ابنُ ملك (1) في (( شرح المنار ) ): الأصحُّ أنه رجعَ عن هذا القولِ كما رواهُ نوح بن أبي مريم (2) ؛ لأنّه يلزمُ منه أحدُ أمرين، إمَّا بطلانُ تعريفِ القرآن؛ لأنَّ الفارسيَّةَ غيرُ مكتوبةٍ في المصاحف، أو جوازُ الصَّلاةِ بدونِ القرآن. انتهى (3) .
وفي (( التَّحقيقِ شرحِ المنتخبِ الحسامي ) ) (4)
(1) هو عبد اللطيف بن عبد العزيز. منه رحمه الله.
وأضيف، هو: عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين بن فرشتا الكِرْمَانِيّ، المعروفِ بابن مَلَك، وفرشتا: الملك، قال الكفوي: كان أحد المشهورين بالحفظ الوافر من أكثر العلوم، وأحد المبرزين في عويصات العلوم، وله القبول التام عند الخاص والعام، من مؤلفاته: (( شرح الوقاية ) )، و (( شرح المجمع ) )، و (( مبارق الأزهار فِي شرح مشارق الأنوار ) )، (ت 801 هـ) . ينظر: (( الضوء اللامع ) ) (4: 329) ، (( الفوائد ) ) (ص 181) ، (( دفع الغواية ) ) (ص 6) .
(2) وهو نوح بن يزيد أبي مريم، جَعْوَنَة، أبو عصمة، أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ولقب بالجامع؛ لأنه أول من جمع فقه أبي حنيفة، وقيل: لأنه كان جامعًا بين العلوم، (ت 173 هـ) . ينظر: (( الجواهر ) ) (2: 7 - 8) ، و (( طبقات طاشكبرى ) ) (ص 21) .
(3) من (( شرح المنار ) )لابن ملك (ص 9 - 10) .
(4) لعلاء الدين عبد العزيز البخاري، المتوفَّى سنة (730) . منه رحمه الله.
وأضيف، هو: عبد العزيز بن أحمد البُخاري، علاء الدين، من مؤلفاته: (( كشف الأسرار شرح أصول البزدوي ) )، (( غاية التحقيق ) )،قال اللكنوي: هما كتابان معتبران عند الأصوليين، وعليهما اعتماد أكثر المتأخرين، (ت 730) .ينظر: (( الفوائد ) ) (ص 161 - 162) ،و (( الكشف ) ) (2: 1848) .
وأما (( المنتخب الحسامي ) )فهو لمحمد بن محمد بن عمر الأَخْسِيكَثيّ الحنفيّ، نسبة إلى أَخْسِيكَث بفتح الألف، وسكون الخاء المعجمة، وكسر السين المهملة، ثم الياء، ثم الكاف المفتوحة، ثم ثاء مثلثة، بلدة من بلاد فرغانة، حسام الدين، قال الكفوي: كان شيخًا فاضلًا إمامًا في الفروع والأصول، (ت 644 هـ) . ينظر: (( الفوائد ) ) (ص 310) ، (( الكشف ) ) (2: 1848) .