العميل لا يسأل عن السلعة ولا يماكس في ثمنها بل ولا يعلم حقيقتها، لأنها غير مقصودة أصلًا، وإنما المقصود من المعاملة هو النقود، ويقتصر دور العميل على التوقيع على أوراق يزعم فيها أنه ملك السلعة ثم بيعت لصالحه ثم أودع ثمنها في حسابه، وما اعترف به بعض المصارف والشركات العالمية، هو أن عدم وجود إيصالات مخازن أصلية يعني عدم وجود سلع، فالأمر لا يعدو ان يكون قيودًا لا يقابلها شيء في الواقع العملي. ثم إن التورق لا يمكن من توفير تمويل المخزون لأن ما عليه العمل يفوق حاجة تمويل المخزون، فبعض المصارف تشتري من السلع الدولية ما تجاوز قيمته خمسة ملاييين دولار يوميًا. وتبيعها في نفس اليوم، وبعضها تشتري ما تجاوز قيمته عشرة ملايين دولار يوميًا، وتبيعها في نفس اليوم. فهو مقصود لتمويل العملاء المتورقين.
2 -ان الصورة المفترضة لهذا العقد هي أن النقد الذي يأخذه العميل هو ثمن السلعة التي بيعت له، وهذا الأمر يكذبه الواقع، فإن عقود التورق المنظم تجري على سلع موصوفة أي غير معينة، فهي ليست مملوكة لا للمصرف الذي باعها على العميل، ولا للعميل الذي وكل البنك في بيعها، بل ولا للمورد الذي يبيع على البنك، فهو يعقد صفقات مع المصرف بكميات أكبر مما عنده حقيقة من السلع. ومما يؤكد عدم ارتباط مبلغ التمويل بالسلعة وثمنها أن المصرف يلتزم بإيداع المبلغ المتفق عليه في حساب العميل خلال فترة وجيزة مع أن من المعلوم أن بيع أي سلعة مهما كانت لا يخلو من المخاطرة إما لتقلب الأسعار أو لعدم وفاء المشتري أو لظهور عيب في السلعة أو التأخر في البيع، أو لغير ذلك، ومع ذلك يتم إيداع المبلغ المتفق عليه دون تأخير أو نقصان. بلإضافة إن ما يقوم به المصرف من بيع وشراء في السوق الدولية قد تقدمه اتفاق وعدد الإجراءات والأحكام التي ينبغي أن يخضع لها عقد البيع عند وجوده.
3 -ان هذا العقد يؤدي إلى العينة الثلاثية، وهي محرمة ففي السلع المحلية - كالسيارات مثلًا يشتري المصرف السيارة من المعرض ببيعها ثم يبيعها المعرض على المصرف، ثم يبيعها المصرف على عميل آخر، وهكذا تدور أوراق السيارة مئات المرات بين المصرف والعميل والمعرض، والسيارة في مكانها لم تتحرك، مما يؤكد أن المعاملة ما هي إلا مبادلة مال بمال وأن السلعة إنما ادخلت حيلة، وهذا التدوير وإن لم يكن مشروطًا في العقد أو متفقًا عليه إلا أنه معروف، والقاعدة عند أهل العلم:"أن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا" [1] . ولا يختلف الأمر في السلع الدولية عما هو عليه في السلع المحلية، فإن من المعتاد أن المصرف يشتري المعدن من أحد الموردين ثم يبيعه على العميل، ثم يتوكل عن العميل في بيعه فيبيعه على المورد الأول نفسه أو على موردٍ آخر يكون متواطئًا مع المورد الأول على نقل ملكية المعدن إليه - أي إلى الأول - فيتم تداول شهادة الحيازة الخاصة بالمعدن بين هذه الأطراف عشرات المرات، والمعدن في مكانه لم يتحرك. إن الذي ينظر إلى ما تسير عليه المصارف في معاملات التورق المصرفي المنظم يجد أن السلعة في بلد، والمصرف في بلد آخر لا يقبضها ولا يراها ولا يعلم عنها شيئًا وهذا أيضًا ينطبق على المشتري، وأفاد القرة داغي أنه زار مخزن بمدينة"ليفربول"ووجد أن البضاعة لا تصلح للاستخدام، وأفاد صالح كامل تحدث عن شركة
(1) السيوطي، جلال الدين، الأشباه والنظائر، تحقيق المعتصم بالله البغدادي، ط 1، بيروت، لبنان: دار الكتاب العربي،1407 هـ، ص 96.