لينتفي بذلك غلبة الظن بالتحيُّل بهذا البيع إلى الربا فصار بذلك بيعًا صحيحًا جائزًا. حيث إن السلعة لم تَعُدْ إلى بائعها وإنما اشتراها طرف ثالث، فبيع العينة يتم مابين طرفين أما التورق فأنه يتم بين ثلاثة أطراف.
الدليل الخامس: أن مسألة التورق فيها كلفة وخسارة
الجواب: لا نسلم أن المتورق يخسر، أو أنه لا يحصل على مصلحة مقابل البيع برخص، بل يستفيد الحصول على النقد الحاضر، وهو مصلحة معتبرة شرعًا تجبر فرق الثمن، فلا يكون في الحقيقة خاسرًا. فما المانع من أن يتحمل المرء زيادة في الثمن مقابل الحصول على السيولة [1] . أما بخصوص التكلفة فإن ما يحصل عليه المصرف من ربح في التورق المصرفي، فإنه مقارب لما يحصل عليه في المرابحة،- حسب إفادة المصارف - وهي نسبة 6% تقريبًا. أما ما يخسره العميل عند بيع السلعة في السوق، حيث تباع بسعر التكلفة في التورق المصرفي، فإن العميل في المرابحة قد يبيع السلعة في السوق بخسارة 1 - 2% وهو مبلغ يسير، أما فرق سرعة الإنجاز فهو يسير أيضًا، فإنه يختلف باختلاف المصارف، والأفراد أو الشركات، ويتراوح من يوم إلى ثلاثة أيام في مسألة التورق [2] .
المطلب الخامس
الرد على أدلة المجيزين
الاستدلال الأول: استدلالهم بعموم قوله تعالى:"وأحل الله البيع وحرم الربا" [3] . على جواز التورق حيث أن هذه المعاملة داخلة في عموم ما أحل الله من البيع. فقد استدل من قال بذلك باستناده إلى أنها لا تخرج من كونها بيعًا وشراء، وقد أحل الله البيع وحرم الربا وبناء على ذلك فأن تقويم هذه المعاملة من الناحية الاقتصادية يعتمد على الفروق الحقيقية بين البيع والربا فلم يكن عبثًا ان يثبت القرآن شبهة الذين قالوا"إنما البيع مثل الربا" [4] وليس مقصودهم بطبيعة الحال البيع الحاضر، وإنما البيع المؤجل، ففي البيع المؤجل يزيد الثمن الآجل عن الثمن الحال، فإذا كانت هذه الزيادة جائزة ومشروعة، فلماذا لا تجوز الزيادة في القرض؟ فالزيادة في الحالتين هي مقابل الأجل، فما الذي يجعلها مشروعة في البيع وممنوعة في القرض؟
أن الحكم الشرعي إنما جاء ليحقق مصالح الناس، وهذه المصالح أمور حقيقية، فاختلاف الحكم دليل على وجود اختلاف حقيقي بين الأمرين، فالشرع كما هو معلوم لا يمكن أن يفرق بين أمرين متماثلين في واقع الأمر، كما لا يمكن أن يسوي بين أمرين مختلفين، بل جاءت الشريعة الكاملة بالتفريق بين المختلفات والتسوية بين المتماثلات. وهذا يقتضي وجود فرق حقيقي بين البيع لأجل وبين الربا، وترتب على هذا الفرق اختلاف حكم كل منهما.
وهذا الفرق يتضح من جهتين:
1 -أن البيع مبادلة لشيئين مختلفين، واختلاف البدلين هو الذي يسمح أن تكون المبادلة نافعة كلا الطرفين، وأن تحقق ما يسميه الاقتصاديون: منافع التبادل فكل طرف في المبادلة يبذل ما يستغني عنه ليأخذ ما يحتاج إليه، فتكون النتيجة إشباع حاجة كلا الطرفين.
أما القرض فهو مبادلة بين متماثلين، ومن الممتنع في هذه الحالة تحقيق ربح لأي من الطرفين، إذ أن أي زيادة لمصلحة أحدهما تمثل بالضرورة نقصًا في حق الآخر، لأن البدلين من جنس واحد، فإذا كان أحدهما رابحًا كان الآخر خاسرًا ولا بد.
2 -أن الزيادة مقابل الأجل التي توجد في البيع تجبرها منفعة التبادل، وذلك أن المبادلات الآجلة، كالبيع بأجل أو السلم، تتضمن أمرين: مبادلة وتمويل [5] ومنفعة المبادلة من شأنها أن تجبر الزيادة التي يتضمنها التمويل، وبذلك تصبح المبادلة الآجلة نافعة للطرفين، أما الزيادة في القرض فهي دين في الذمة دون منفعة اقتصادية تقابلها، ولذلك كانت ممنوعة.
فالبيع حقق منافع اقتصادية للطرفين: البائع والمشتري، وانتفاع المشتري بالمبيع هو الذي يجبر الزيادة لأجل الأجل، فتكون النتيجة انتفاع كلا الطرفين، البائع بربح الأجل، والمشتري بمنفعة المبيع. وهذا ما تبين من حكمة التشريع في التفريق بين الأمرين.
فحقيقة الربا. وهي دين في الذمة بلا مقابل، تستلزم نمو الدين تلقائيًا، ومعنى النمو التلقائي عدم وجود تكلفة لنمو الدين تحدّ منه، بل يكفي في ذلك مجرد تراضي الطرفين، لا أكثر، فإذا اشترط لثبوت الدين وجود مقابل اقتصادي كان هذا بمثابة صمام أمان للاقتصاد بألا تنشأ مديونية إلا في وجود قيمة اقتصادية مضافة، وهذا المقابل هو الذي يجبر تكلفة الزمن على المدين، فالقيمة والمنفعة التي يحققها البيع تؤدي هذين الدورين معًا في نفس الوقت: كبح جماح المديونية، وجبر تكلفة التمويل، وهذا من حكمة الشريعة الإسلامية.
أما تقيّم التورق من خلال ذلك فنجد أن منفعة التبادل التي تجبر الزيادة للأجل منتفية، فالمتورق لا يريد السلعة، ومعنى ذلك أنه لا ينتفع بها بحال، لا بالاستهلاك ولا بالاستثمار، وإنما هي ذريعة لتحصيل النقد، فإذا انتفت منفعة السلعة بقيت الزيادة للأجل التي تحملَّها المتورق دون مقابل، ومن ثم انتفى الفرق بين البيع وبين الربا، بل إن التورق يصبح أسوأ من الربا لأنه يتضمن تكاليف البيع والشراء والقبض والحيازة، وهذه لا توجد في الربا، وهذا ما أدركه ابن تيمية حيث يقول:"المعنى الذي لأجله حَرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة والخسارة فيها بعينه فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه" [6] .
مما سبق ذكره يتبين أن ذلك ينطبق على الحيل الربوية التي تتخذ من البيع ستارًا وذريعة لتحصيل النقد مقابل زيادة في الذمة، فهذه الحيل تمنع من تحقيق منفعة التبادل الحقيقي، ومن ثم لا يوجد فيها ما يجبر الزيادة في الثمن مقابل الأجل، بل تكون نتيجتها دينًا في الذمة أكثر من النقد المقبوض، وهذه حقيقة الربا [7] .
"لقد قررت الشريعة الإسلامية أن لا ينعقد البيع إلا إذا كان هناك نية للبيع ونية للشراء، والنية في البيع تعني أن يقصد الشخص بتعبيره معاوضة مال بمال ويقصد كذلك آثاره وهي التمليك والتملك يقول ابن القيم:"النية روح العمل ولبه وقوامه وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها" [8] . ونية البيع ونية الشراء يعبر عنهما بالإرادة فلا بد أن يكون التعبير صادر عن إرادة، تتجه لإنشاء التزام عقدي، وفي"
(1) السويلم، التورق. . . والتورق المنظم، مرجع سابق، ص 27.
(2) السعيدي، التورق كما تجريه المصارف في الوقت الحاضر، مرجع سابق، ص 19.
(3) سورة البقرة، آية 275.
(4) سورة البقرة، آية 275.
(5) المصري، الجامع في أصول الربا، مرجع سابق، ص 315.
(6) ابن القيم، إعلام الموقعين، مرجع سابق، ج 3/ ص 182.
(7) أنظر: السويلم، التكافؤ الاقتصادي بين الربا والتورق، الاقتصاد الإسلامي، مجلة محكمة، العدد 274، محرم-1424 ه، مارس - 2004، مجلد (24) ، ص 32 - 34.
(8) ابن القيم، إعلام الموقعين، مرجع سابق، ج 3 / ص 111.