البيع تكون الإرادة عبارة عن نية التمليك والتملك وما يترتب على ذلك من تسليم للمبيع واستلام الثمن" [1] ."
ولما كانت النية أمرًا باطنًا فمن المقرر في أصول الفقه أنه إذا خفي الإستدلال على الباطن فالعبرة بالظاهر، لأن الظاهر دليل الباطن ويعول على القرائن الظاهرة لأنها تدل على الإرادة الباطنية، وعليه فإذا كانت هناك قرينة يستدل بها على نية البيع والشراء فالنية بالقرينة، وكذلك إذا كانت هناك قرينة يستدل بها على عدم نية البيع والشراء فإن عدم النية يثبت بهذه القرينة. وفي عمليات التورق نجد أن السلعة محل العقد لا تهم العميل في أي شيء فهو أصلًا لا يريد شراء سلعة ولا بيع سلعة ولكن يحتاج إلى تمويل ولن يحصل عليه إلا بكلفة زائدة ... فعقد البيع مجرد وسيلة للحصول على مال نقدي بمقابل أجل زائد، إذن فهذه قرينة تدل على عدم قصد البيع والشراء وعدم قصد آثار العقد والغاية إذا اتضحت إماراتها وشواهدها تفسد التصرف، والمقرر أن ما يؤدي إليه العقد إذا اتضحت إماراتها وشواهدها تفسد التصرف، والمقرر أن ما يؤدي إليه العقد إذا كان يخالف إرادة الشارع ومقاصده وجب منعه [2] . يقول الشاطبي:"إن المكلف إنما كلف بالأعمال من جهة قصد الشارع بها في الأمر والنهي، فإذا قصد بها غير ذلك كانت بغرض القاصد وسائلَ لما قصد لا مقاصد، إذ لم يقصد بها قصدَ الشارع فتكون مقصودة، بل قصد قصدًا آخر جعل الفعل أو الترك وسيلة له، فصار ما هو عند الشارع مقصودٌ وسيلة عنده. وما كان شأنه هذا نقص لإبرام الشارع وهدمٌ لما بَناه" [3] .
إذن طالما أن نية البيع والشراء لم تثبت في عقد التورق فإن العقود بمراميها ومعانيها لا بألفاظها ومبانيها. فالعملية مجرد أوراق للتحايل على فعل لم يبح فعله مباشرة دون هذه الأوراق وهو الحصول على النقد والتمويل بفائدة لصالح الدائن [4] .
يقول السويلم:"أن مضمون هذه الحجة أن التورق يتكون من عقدين كل منهما حلال، فالمجموع إذن حلال. وهذا خطأ، لأن حكم البيع المفرد يخالف البيع الذي انظم إليه عقد آخر. فالبيع مفردًا مشروع، والسلف أيضًا مشروع، لكن اجتماع البيع مع السلف ممنوع بنص الحديث. ولذلك قال العلماء:"حكم الجمع يخالف حكم التفريق" [5] . فقد نهى عليه الصلاة والسلام عن بيع وسلف، وكل واحد منهما لو انفرد لجاز. ونهى الله تعالى عن الجمع بين الأختين في النكاح، مع جواز العقد على كل واحدة بانفرادها" [6] .
والتورق اسم لمعاملة تجمع بين عقدين: أحدهما الشراء بثمن مؤجل من طرف، والثاني البيع حالًا لطرف آخر بثمن أقل من المؤجل. وكون كل عقد على انفراده مشروعًا لا يعني أن المجموع مشروع. . . والآية إنما تناولت"البيع"مطلقًا، دون
(1) السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، د. ط، القاهرة، مصر: مجموعة دار النشر للجامعات المصرية، 1960،ج 1/ ص 179.
(2) محمود، جمال الدين، سبب الإلتزام وشرعيته في الفقه الإسلامي، ط 1، القاهرة، مصر: دار النهضة العربية، 1976، ص 276.
(3) الشاطبي، ابو اسحق إبراهيم بن موسى اللمخي، الموافقات في أصول الشريعة، د. ط، د. ت، بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية، ج 2/ ص 334 - 335، الهامش، فالنكاح مثلا طلبه الشارع للنسل ولغيره من لواحقه، فإذا قصد به تحليل الزوجة لغيره كان النكاح وسيلة لما قصد من التحليل، ولم يكن مقصودًا بقصد الشارع فما كان مقصودًا عند الشارع صار وسيلة عنده، وهذا مناقضة للشريعة.
(4) أحمد، محيي الدين، التطبيقات المصرفية لعقد التورق، وأثارها على مسيرة العمل المصرفي الإسلامي، مرجع سابق، ص 5 - 7.
(5) ابن تيمية، القواعد النورانية، ط 1، الرياض، المملكة العربية السعودية: مكتبة الرشيد، 1422 هـ، 2001، ص 211.
(6) الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج 3/ ص 192.