تبيح الحرام. يقول وهبة الزحيلي:"الضرورة: هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام أوترك الواجب، أو تأخيره عن وقته دفعًا للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع [1] ."
فالضرورة تقدر بقدرها، فلا يصبح المباح للضرورة أصلًا وقاعدة، بل هو استثناء مؤقت يزول بزوال الضرورة."فما أبيح للضرورة يتقدر بقدرها، أي أن الشيء الذي يجوز بناء على الضرورة يجوز إجراؤه بالقدر الكافي لازالة تلك الضرورة فقط، ولا يجوز استباحة أكثر مما تزول به الضرورة [2] . فالضرورة: هي الحالة الملجئة لتناول الممنوع شرعًا. أما الحاجة: فإنها وإن كانت حالة جهد ومشقة فهي دون الضرورة، ولا يتأتى معها الهلاك فلذا لا يستباح بها الممنوع شرعًا، مثال ذلك: الصائم المسافر بقاؤه صائمًا يحمله جهدًا ومشقة فيرخص له الإفطار لحاجته للقوةعلى السفر [3] . مما سبق ذكره يتبين أن التورق لا ينزل منزلة الضرورة فليس هناك ضرورة تصل بنا إلى الوقوع في المشتبهات أو الشبهات، فلا يوجد ضرورة معتبرة شرعًا تصل بنا إلى التعامل بالتورق وترك صيغ الاستثمار والتمويل الإسلامية، أوأن هناك حاجة يصبح معها التمويل الشرعي صعبًا وفيه مشقة حتى نطمئن إلى تطبيق قول الله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [4] أو تطبيق القاعدة الشرعية:"الضرورات تبيح المحظورات" [5] ."
الاستدلال الخامس: استدلالهم بحديث ابي سعيد الخدري وأبي هريرة، وهو حديث الجنيب.
الجواب: ان هذا الحديث يُستدل به على جميع صور العينة، الثنائية والثلاثية والتورق. وجمهور المجيزين للتورق لا يجيزون بقية صور العينة. فما كان جوابًا لهم عن هذا الحديث فهو جواب للمانعين منها مطلقًا. فإن قيل: العينة الثنائية تحصل بين طرفين، والحديث لا يدل على أن مبادلة التمر بين طرفين. قيل: ليس في الحديث النص على ذلك، بل هو مطلق. ثم أن العينة الثلاثية ليست بين طرفين. فإن قيل: العبرة بالتواطؤ، فإذا لم يوجد تواطؤ بين الأطراف، جاز، سواء كانوا إثنين أم ثلاثة أم أكثر، وهذا مقتضى الحديث. قيل: لا ريب أن التواطؤ معتبر شرعًا، ولكن التواطؤ يوجد في التورق أيضًا، حين يبيع سلعة تساوي قيمتها الحاضرة حاجة المتورق من النقد، وذلك بثمن مؤجل أعلى منه، فاعتبار التواطؤ في جانب دون آخر تحكّم. فإن قيل: العبرة بعودة السلعة إلى البائع، فإن عادت، بواسطة أو بغير واسطة، فهو ربا، وإلا فلا. قيل: أين في الحديث أن السلعة لا يجوز أن تعود للبائع؟ ثم يقال: لا تعود السلعة للبائع إلا بعد أن تخرج من يد المتورق. فلم كانت عودتها محرمة ولم يكن خروجها محرمًا، مع أن خروجها شرط بل سبب لعودتها؟ ولا ريب أن عودة السلعة إلى البائع تكمّل أركان القرض الربوي، لأن المتورق يكون قد قبض نقدًا مقابل زيادة في الذمة، والبائع قد سلّم نقدًا مقابل زيادة له في ذمة المدين. فلم كان الربا محرمًا أصلًا؟ أليس بسبب الظلم الواقع على المدين؟ فإذا وجد هذا الظلم بعينه، أليس ذلك موجبًا للحكم نفسه؟ والشرع حرم الظلم مطلقًا، سواء أكان المرء لنفسه أم ظلمه لغيره. فإذا عادت السلعة للبائع صار البائع ظالمًا، أما ظلم المتورق لنفسه فهو ثابت مسبقًا، ولولاه لما طمع فيه البائع. وخروج السلعة من يد المتورق إيجاب منه للظلم على نفسه، وعودتها للبائع قبول منه لدور الظالم [6] . وكل منهما محرم، فإذا اجتمعا كان أشد تحريمًا. ومعلوم أن العقد المحرم يحرم إيجابه ويحرم قبوله وليس المحرم هو اجتماع الإيجاب والقبول فقط، بل كل منهما محرم على انفراده. فالتورق يتضمن إيجابًا للربا بشغل ذمة المتورق دون مقابل، فهو أحد ركنيه، وهذا يستلزم تحريمه [7] . فلا يمكن الاحتجاج بهذا الحديث بالتورق، لأن الغرض من الحديث هو الخروج من الربا، والغرض من التورق هو الدخول في الربا. كما أن بائع الجمع ليس ملزمًا بالشراء من بائع الجنيب، فالبيعتان في الحديث مستقلتان إحداهما عن الأخرى، وليس كذلك التورق المتفق عليه بين أطرافه الثلاثة [8] .
الدليل السادس: قالوا إن الأصل في المعاملات الحل والإباحة
الجواب: لا ريب أن الأصل في الاشياء الحل، لكن هذا الأصل يقابله أن الأصل في الحيل التحريم، وهو أصل شهدت له نصوص متضافرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة. وهذه القاعدة أخص من قاعدة الأصل في المعاملات الحل، لأنها تتناول الحيل دون غيرها. ومعلوم أنه إذا تعارض العام والخاص قدم الخاص لأنه إعمال للدليلين معًا. ولا نزاع في أن التورق حيلة للحصول على النقد، وإنما النزاع هل هو حيلة جائزة أو ممنوعة. وإذا كان الأصل في الحيل التحريم، فالتورق محرم حتى يثبت الدليل على خلاف ذلك [9] . فالتورق له صلة بالربا والعينة والحيل الربوية، فصار الأصل فيه هو المنع [10] . وليس الإباحة.
المطلب السادس
المناقشة والترجيح
بعد هذا العرض لأدلة الفريقين، المانعين والمجيزين للتورق (سواء التورق الفقهي، أو التورق المصرفي المنظم) والرّد عليهم يتضح أن هناك دوافع وأدلة لكلا الطرفين ونلاحظ أن الأساس الذي بنيت عليه أدلة كل فريق هو هل العقود مبنية على ألفاظها ومبانيها أم على مقاصدها ومعانيها وهل الحيل جائزة كمخرج شرعي أم لا، فيجب التفريق في الحكم على مسألة التورق هل هو مبني على الفعل الظاهر أو على النيّة.
ان من منع التورق نظر إلى مآلات الأفعال والقصد من العقد، إن كل فعل يفعله الإنسان من تصرفات وعقود يتضمن أساساَ ناحية الباعث الدافع إلى الفعل، وناحية المآل الذي يؤدي إليه الفعل، لذلك من المهم أن ننظر إلى مسألة التورق من جانبين [11] :
(1) حوار، علماء الشريعة يحددون الضرورات التي تبيح المحظورات، الاقتصاد الاسلامي، مجلة علمية محكمة، مجلد (23) ، العدد (267) ،جمادى الآخر- 1424 هـ، اغسطس، 2003، ص 25.
(2) أنظر: حيدر، علي، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، د. ت، د. ط، بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية.
(3) حوار علماء الشريعة يحددون الضرورات التي تبيح المحظورات، محمد رأفت، مرجع سابق، ص 27.
(4) البقرة، الآية 173.
(5) شحاته، حسين حسين، التورق المصرفي في نظر التحليل المحاسبي والتقويم الاقتصادي، الاقتصاد الاسلامي، مجلد (24) ، العدد (274) ، محرم- 1425 هـ، مارس- 2004، ص 25.
(6) الزرقا، مصطفى، المدخل الفقهي العام، ط 1، د. ت، بيروت، لبنان: دار الفكر، ج 1/ ص 382.
(7) السويلم، التورق. . . والتورق المنظم، مرجع سابق، ص 34 - 36، بتصرف.
(8) المصري، التورق في البنوك، مرجع سابق، ص 3.
(9) السويلم، التورق. . . والتورق المنظم، مرجع سابق، ص 37 - 38.
(10) المصري، التورق في البنوك، مرجع سابق، ص 3.
(11) انظر: خوجه، عز الدين محمد، ملخص ابحاث في التورق، مرجع سابق.