للخسارة، فهل يقال بمنعها؟ قيل: الكلام في مقصود المتورق، ومقصوده كما نعلم هو بيع السلعة بأقل مما اشتراها به، فالمتورق لا حاجة له في السلعة، بل قصده الوحيد هو الحصول على نقد حال ليدفع أكثر منه بعد أجل معين، وأن السلعة هي وسيلة ذلك، وبذلك يحكم على هذه المعاملة على أساس قصد المتورق، لاعلى أساس الاتفاقيات والعقود التي قدمت وسيلة للوصول إلى هذه الغاية، فالمقاصد في العقود معتبرة [1] . فمن الأصول الكلية القطعية أن قصد المكلف في العمل يجب أن يتفق مع قصد الشارع في تشريع ذلك العمل، فإذا خالف قصد المكلف في العمل قصد الشارع في تشريع هذا العمل بطل قصد المكلف وصح قصد الشارع. فيبطل بذلك العمل المخالف ولا يترتب عليه أثر [2] . ثم أن احتمال الربح في البيعة الثانية نادر، والنادر لا حكم له، وإرادة العاقل لا تتوجه إلى الاحتمالات القليلة أو النادرة، كما يقول العز بن عبد السلام، بل إلى الاحتمالات الغالبة [3] وإذا كان هو الغالب، والغالب هو الخسارة، كان الحكم مبنيًا على ذلك. وإذا قيل: هناك فرق بين قصد الخسارة مع احتمال حصول الربح، وبين قصد الربح مع احتمال حصول الخسارة. فالتاجر يقصد الربح وقد تعرض له الخسارة دون قصد، أما المتورق فهو يقصد الخسارة وقد يعرض له الربح دون قصد. فكيف يقارن أحدهما بالآخر مع تناقض مقاصدهما؟ ونظير ذلك النكاح بنية الطلاق. فالذين يجيزون هذا النكاح يقولون: إن كل نكاح قد يعرض له الطلاق، فليس هناك محذور في تبييت نية الطلاق ابتداء. والمانعون يقولون: إن النكاح يراد به الاتصال والدوام، ولا يراد به الانقطاع. وفرق بين الأمرين. مقصد الاستدامة مع احتمال طروء الدوام."وفرق بين اتصال يقبل الانقطاع، واتصال يقصد به الانقطاع" [4] . فقياس أحد الأمرين على الأخر قياس للشيء على ضده، إن الله حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل، لما في ذلك من ضرر المحتاج، وأكل ماله بالباطل وهذا المعنى موجود في هذه الصورة، وإنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى [5] .
الاستدلال الثالث: الاستدلال من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [6] . واسناده أن التورق من المداينة الجائزة.
الجواب: أن العملية ليست من المداينة بشيء، فالبائع هو مصدر السيولة للمشتري، فالنقد يحصل عن طريقه وبواسطته، ولولاه لما وجدت العملية، والمشتري إنما يقبل على التورق لعلمه بأن البائع سيدبر له السيولة والنقد الحاضر لاحقًا، ولو علم المشتري أن البائع لن يوفر له النقد لما رضي بالشراء ابتداء. فحاصل العملية إذن أن المصرف يقول للعميل: أوفر لك مائة نقدًا مقابل أن تكون مدينًا لي بمائة وعشرين مؤجلة، وهذا هو الربا، فالبائع وظيفته توفير النقد للمدين مقابل دين بزيادة في ذمته، فحقيقة العملية هي نقد حاضر بمؤجل أكثر منه. لذلك فهي ليست من المعاملة الداخلة في المداينة [7] .
فالمشتري لا يشتري السلعة إلا لأنه يعلم أنه يبيع ما اشتراه بثمن مؤجل بنقد حال أقل منه، والمشتري الثاني أو الأخير إذا لم يكن هو البائع الأول يشتري ليبيع هو أيضًا. فهذه العملية يجب الحكم عليها في مجموعها دون الحكم على كل عملية أو عقد منها على انفراد ثم ينظر إلى قصد أطراف المعاملة، وهو أنهم يتعاونون على الوصول إلى هدف واحد تتحد فيه إرادتهم، هو توفير مبالغ نقدية للمتعاملين حتى يدفعوا أكثر منها بعد أجل، ولا شك في أن غاية هذه العملية محرمة ونتيجتها ممنوعة شرعًا، ألا وهي حصول المتورقين على نقود حالة في مقابل الالتزام بنقود أكثر منها بعد أجل. وللمجموع في الشريعة حكم يختلف عن حكم كل فرد من أفراده، فالسلف جائز وحده، والبيع جائز وحده فإذا اجتمعا حرما معًا [8] .
الاستدلال الرابع: الحاجة تنزل منزلة الضرورة
الجواب: أن الضرورة تقدر بقدرها. . . ولا تطلق هكذا دون ضوابط، فالضرورات التي كفلها الإسلام هي الضرورات الست: الدين، النفس، العقل، العرض، النسل، والمال، فأول هذه الضرورات: الدين، ولذلك لا يضحى بالدين في سبيل شيء. ولكن يضحى بكل شيء في سبيل الدين. وأخرها. . . المال. . . يضحى به في سبيل كل ما يسبقه، ولهذا نضحي بالنفس والمال في سبيل الدين، ونضحي بالعرض في سبيل النفس. . . إذًا لا بد من مراعاة هذه الضوابط الشرعية، ولذلك فإن مجمع البحوث الإسلامية عندما بحث موضوع المصارف عام 1385 هـ، 1965، انتهى إلى أن فوائد البنوك حرام، وفي نفس المؤتمر بحث موضوع الإقراض والاقتراض، فالإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك ويرتفع إثمه عند الضرورة. وهي فتوى دقيقة. . . لأن الإنسان المقرض عنده فائض، فليس في ضرورة ولا حاجة، أما المقترض فقد يقترض بغير حاجة ولا ضرورة فيصبح كالمقرض. ولكنه قد يضطر إلى مال لمأكل أو لمشرب أو لملبس أو علاج أو غير ذلك من الحاجات الأساسية، ولا يجد مالاُ، ولا يجد من يعطيه بغير ربا، فهنا يرتفع عنه الإثم أيضًا. ونضرب كذلك مثلًا. . . معهد الفكر الإسلامي في واشنطن بالولايات المتحدة أرسل إلى مجمع الفقه الإسلامي يسأله عن حكم الاقتراض من البنوك الربوية لشراء أو بناء مسكن، فأفتى المجمع بأن هذا لا يجوز. . . لماذا؟ مع أن المسكن من الأساسيات للإنسان، فلو أن انسانًا لا يجد ولا يستطيع أن يجد مسكنًا إلا بالربا. . . جاز، ولكن المجمع الفقهي يعلم أن المسلم في هذه البلاد يمكنه أن يستأجر، ومن هنا كانت الفتوى. ولذلك نجد أن بعض الناس يتوسعون في مفهوم الضرورة، ولكن هذا لا يرفع الإثم عنهم [9] . إن مجرد الحاجة لا يكفي لاستباحة المحرم. ورفع الحرج من أصول التشريع بلا ريب، لكن رفع الحرج يستلزم سد أبواب الربا، لأن الربا من أعظم مصادر الحرج والمشقة والعنت [10] .ثم أن المضطر يباح له ما لا يباح لغيره. لكن هذه الإباحة تقدر بقدرها عند الضرورة، فالضرورة لا تحتاج إلى نص خاص لإباحتها، أما المحتاج فأنه لا يصل إلى مرتبة المضطر، لذلك يجب التفريق بين الضرورة والحاجة [11] . من حيث كون الحاجة لا
(1) ابن تيمية، بيان الدليل، مرجع سابق، ص 127.
(2) حسان، تعليق على بحوث التورق، مرجع سابق، ص 4.
(3) السدّلان، القواعد الكبرى، مرجع سابق، ج 2/ ص 218 - 300.
(4) ابن تيمية، بيان الدليل، مرجع سابق، ص 408.
(5) الاسلامي، التورق والتورق المصرفي، مرجع سابق، ص 21.
(6) سورة البقرة، الآية 282.
(7) السويلم، التكافؤ الاقتصادي بين الربا والتورق، مرجع سابق، ص 36،بتصرف.
(8) حسان، تعليق على بحوث التورق، مرجع سابق، ص 7.
(9) السالوس، علي، الضرورة التي كفلها الإسلام لها ضوابطها وشروطها، الاقتصاد الإسلامي، مجلة علمية محكمة، مجلد (24) ، العدد (274) ، محرم- 1425 هـ، مارس- 2004، ص 12.
(10) السويلم، التورق. . . والتورق المنظم، مرجع سابق، ص 38.
(11) أنظر: الحنيطي، هناء، بيع العينة والتورق، أن هنالك خلطًا بين الضرورة والحاجة مع الفارق الكبير بينهما: مراعاة الضرورة وتقدير الحاجة تعتبران من مقاصد الشريعة، ولكل منهما مرتبة خاصة به فالضروري مرتبته تقوم على حفظ الضرورات الخمس وهي: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل (النسب) ، حفظ المال، والضرورة تبيح المحرم بشروط مقيدة قال تعالى (فَمَنِ اض?طُرَّ غَي?رَ بَاغٍ? وَلَا عَادٍ? فَلَا? إِث?مَ عَلَي?هِ ?) (سورة البقرة، آية 173) فالضرورة لا تحتاج إلى نص خاص لإباحتها، وذلك لأنه المضطر ليس أمامه طريق لإنقاذ حياته أو ماله أو عرضه سوى إباحة المحرم ولكن هذه الإباحة تقدر بمقدار الضرر، وتخص المضطر وحده. أما مرتبة الحاجات فأنها لا تصل إلى مرتبة الضروريات ولا تتوقف عليها حياة أحد، وفواتها لا يؤدي إلى فوات الضروريات الخمسة، وهي تقوم على دفع المشقة والحرج ورفع الضيق عن الناس، لذلك فهي تحتاج إلى نص لإباحتها حتى يصبح عامًا لكل الناس مثل: عقد السلم، والقرض، وبيع العرايا، فإنهما وردا على خلاف القياس. لذلك يجب التفريق بين الضرورة والحاجة، وبين الضوابط التي تميز الضروري عن الحاجه، مرجع سابق، ص 28.