أن ذكر المنع من شراء ما باع بأقل مما باع قال: (ولو اشترى ما بيع له بأن باع وكيله لم يجز أيضًا لأنه لما باع باذنه صار كبيعه بنفسه ثم اشترى بالاقل وكذا لو وكل رجلا ببيع عبده بالف درهم، فباعه، ثم أراد الوكيل أن يشتري العبد بأقل مما باع لنفسه أو لغيره بأمره، قبل نقد الثمن لم يجز أما شراؤه لنفسه فلأن الوكيل بالبيع بائع لنفسه في حق الحقوق) [1] .
ويزيد ابن عابدين في حاشيته هذا المعنى تأكيدًا فيقول: (فأفاد أنه لو باع شيئًا أصالة بنفسه أو وكيله أو وكالة عن غيره، ليس له شراؤه بالأقل لا لنفسه ولا لغيره) [2] .
5)وهذه العبارات من فقهاء المذهب عبر القرون صريحة في منع هذا التعامل أصالة أو وكالة، في أي من العقدين: البيع أو الشراء، وتعليلهم لهذا المنع يعكس حرصهم على سد الباب من أصله. فيعلل الزيلعي المنع من شراء الوكيل لنفسه بقوله: (أما شراؤه لنفسه فلأن الوكيل بالبيع بائع لنفسه في حق الحقوق، فكان هذا شراء البائع من وجه، والثابت من وجه كالثابت من كل وجه في باب الحرمات، ثم يعلل المنع من الشراء لغيره بقوله: وأما لغيره فلأن شراء المأمور واقع له من حيث الحقوق، فكان هذا شراء ما باع لنفسه من وجه.) وذكر ابن عابدين تعليل الزيلعي وأقره.
6)إن هذه النصوص تؤكد أن من باع سلعة بثمن مؤخر، لم يجز له أن يشتري هذه السلعة لا لنفسه ولا لغيره، حتى لو كان في البيع الأول وكيلًا يعمل لمصلحة غيره، حتى لو لم ترجع السلعة لمالكها الأول. وهذا إغلاق محكم لكل أنواع الوساطة، حتى لو كانت المعاملة من باب التورق وليس العينة الثنائية.
الدليل السادس: إن مسألة التورق فيها كلفة وخسارة للمحتاج للنقد
وجه الدلالة: يقول ابن القيم:"قالوا بجواز مسألة التورق وهي شقيقة مسألة العينة، فأي فرق بين مصير السلعة إلى البائع وبين مصيرها إلى غيره؟ بل قد يكون عَوْدْها إلى البائع أرْفَقَ بالمشتري وأقل كلفة عليه وأرفع لخسارته وتعينه. فكيف تُحرمون الضرر اليسير وتبيحون ما هو أعظم منه والحقيقة في الموضعين واحدة وهي عشرة. بخمسة عشر وبينهما حريرة رجعت في أحدى الصورتين إلى مالكها وفي الثانية إلى غيره" [3] . فالمستورق يبيع السلعة بسعر التكلفة أو أقل.
المطلب الرابع
الرد على أدلة المانعين
الدليل الأول: أن التورق من بيع المضطر
الجواب: يقول المنيع:"القول بأن التورق لا يأخذ به إلا مضطر وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر. قول فيه نظر ولا تظهر وجاهة الاستدلال عليه بحديث النهي عن بيع المضطر، لأن الاستدلال به استدلال في غير محله، حيث إن حقيقة التورق ظهور الرغبة من صاحبها في الحصول على نقد يغطي به حاجته إليه سواء أكانت الحاجة مما تقتضيها مصلحته في الاكتساب أم مما تقتضيها حاجته أو غير ذلك"
(1) الزيلعي، فخر الدين عثمان بن علي، الحنفي، من أهل زيلع بالصومال، فقيه حنفي. قدم القاهرة سنة 705 هـ. ودرس وأفتى وقرر ونشر الفقه. كان مشهورًا بمعرفة النحو والفقه والفرائض. وهو غير الزيلعي صاحب"نصب الراية"، أنظر: الزركلي، الاعلام، ج 4/ ص 373. تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، ط 2، القاهرة، مصر: دار الكتاب الاسلامي، د. ت، ج 3/ ص 54.
(2) ابن عابدين، رد المحتار، مرجع سابق، ج 4/ ص 114.
(3) ابن القيم، إعلام الموقعين، مرجع سابق، ج 3/ ص 212 - 213.