الصفحة 47 من 71

4 -قول الإمام مالك هذا يوافق ما ورد عنه من مسائل التورق التي ذكرها عنه أصحابه، وتتفق جميعها على أن أي تدخل للبائع لتسهيل التورق للمتورق يجعل المعاملة محرمة [1] .

••الإمام محمد بن الحسن الشيباني [2] .

الفقيه المجتهد المحدّث، صاحب أبي حنيفة ومن أئمة المذهب الحنفي. وقد جاء عنه أكثر من نص:

أ) جاء في كتاب الأصل:"ولو باعه لرجل، لم يكن ينبغي له أن يشتريه بأقل من ذلك. قبل أن ينقد: فليس ينبغي له ذلك لا لنفسه ولا لغيره. ولا ينبغي للذي باعه أن يشتريه أيضًا بأقل من ذلك لنفسه ولا لغيره، لأنه هو البائع" [3] .

ولهذا النص دلالات هي:

1)ذكر محمد بن الحسن هذا النص بعد أن ذكر صورة العينة الثنائية، وهي أن يبيع الشخص السلعة بثمن مؤخر ثم يشتريها بثمن حاضر، ويسميها فقهاء الحنفية: (شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن) ، وبيّن أن هذا الشراء مردود ثم بعد أن تعرض لبعض التفاصيل انتقل إلى مسألة التورق، وهي ما إذا كان الشراء أصالة أو وكالة.

2)قوله: (ولو باعه لرجل) ، سبق أن عبارة (باع له) تعني باع لمصلحته ونيابة عنه. فقوله: ولو باعه لرجل، أي باع المبيع لمصلحة رجل آخر، فالذي يباشر البيع هنا وكيل ونائب عن مالك المبيع. ثم قال: (لم يكن ينبغي له أن يشتريه بأقل من ذلك قبل أن ينقد.) أي لم يكن ينبغي للمالك الأصيل أن يشتري المبيع بأقل. فيكون معنى العبارة: لو وكل مالك السلعة من يبيعها بأقل قبل انتقاد ثمن الشراء. وقوله: (لنفسه ولا لغيره) أي لا ينبغي له أن يشتري سواء كان الشراء لنفسه أو لغيره. وواضح من ذلك أنه لا يلزم أن ترجع السلعة للمالك الأصلي، ومع ذلك حكم الإمام محمد بمنع هذا الشراء.

3)قال: (ولا ينبغي للذي باعه أن يشتريه أيضًا بأقل من ذلك لنفسه ولا لغيره، لأنه هو البائع.) وقوله (الذي باعه) يريد الوكيل الذي باشر البيع نيابة عن المالك الأصلي. فيكون معنى العبارة: لا يجوز للوكيل الذي باشر البيع أن يشتري المبيع بأقل من الثمن الذي باع به قبل أن ينقد المشتري الثمن. وقوله: (لنفسه ولا لغيره) أي لا يصح الشراء، سواء كان الشراء لمصلحة الوكيل نفسه أو لمصلحة غيره. وواضح مرة أخرى أن المنع لا يشترط فيه أن تكون السلعة قد عادت للمالك الأصلي، بل قد تباع لطرف ثالث، وبذلك تكون المعاملة من صور التورق وليس العينة الثنائية.

4)إن هذا الحكم ليس رأيًا خاصًا بالإمام محمد وحده، بل هو رأي أئمة المذهب: أبي حنيفة، بالإضافة لمحمد بن الحسن، ولهذا كان كتاب الأصل من كتب ظاهر الرواية، أي الكتب المعتمدة في المذهب الحنفي. ولهذا السبب وجدنا هذا الحكم منصوصًا عليه في كتب الفقهاء ممن بعدهم. ففي تبيين الحقائق للزيلعي، بعد

(1) السويلم، التورق. . . والتورق المنظم دراسة تأصيلية، مرجع سابق، ص 10 - 14.

(2) محمد بن فرقد الشيباني (131 - 189 هـ) ، نسبته إلى بني شيبان بالولاء. أصله من قرى دمشق، إمام في الفقه والأصول، ثاني أصحاب أبي حنيفة بعد أبي يوسف. من المجتهدين المنتسبين. من تصانيفه:"الجامع الكبير"،"الجامع الصغير"،"المبسوط"،أنظر: الزركلي، الأعلام، ج 6/ ص 309.

(3) الشيباني، الإمام أبي عبد الله محمد بن الحسن، كتاب الأَصْل المعروف بالمبسوط، ط 1، بيروت، لبنان: عالم الكتب، 1410 هـ، 1990، ج 5/ ص 192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت