الصفحة 46 من 71

متاعه ودعه). وهذا يقتضي منع توسط البائع بأجل لمن يريد النقد حتى لو كان بمجرد الدلالة على من يشتريه نقدًا، وهذا صريح في منعه للتورق المنظم.

3 -قول الحسن: (لا تبعه) أي لا تبع الحرير نيابة عمن اشتراه منك بأجل، وهذا منع للتورق المنظم. وقوله: (ولا تشتره) أي لا تشتره منه، وهذا منع للعينة الثنائية. وقوله: (ولا ترشده) أي لا تدله على من يشتريه منه نقداًَ. وقال في الرواية الأخرى: (إذا بعته فلا تدل عليه أحدًا) يعني والله أعلم إذا بعت الحريرة وأشتراه منك المتورق فلا تدل عليه من يشتري منه بنقد. فمجموع الروايتين منعٌ للدلالة من الجهتين، وعلى كل تقدير فهو نهي عن التدخل في عملية التورق، ولهذا قال: (ادفع إليه متاعه ودعه) .

4 -إن هذا التدخل ممنوع وإن كان المشتري لا يحسن التعامل في السوق، لقوله: فتبتاع مني المرأة والأعرابي، يقولون: بعه لنا فأنت أعلم بالسوق، ومع ذلك نهاه الحسن عن التدخل، لعلمه أن مراد هؤلاء النقد. ولو كان هذا المراد حلالًا طيبًا لكانت الإعانة عليه مشروعة مطلوبة. فلما كانت الإعانة على تحصيل النقد بهذا الطريق ممنوعة، علم أن هذا الغرض محل شبهة على أقل تقدير.

••الإمام مالك بن أنس.

قال ابن القاسم: سألتُ مالكًا عن الرجل يبيع السلعة بمائة دينار إلى أجل، فإذا وجَبَ البيع بينهما قال المبتاع للبائع: بعها لي من رجل بنقد فإني لا أبصر البيع. فقال مالك: لا خير فيه، ونهى عنه [1] .

وهذا النص يتضمن عدد من الدلالات [2] :

1 -أن المعاملة التي سَأل ابنُ القاسم عنها مالكًا هي عماد التورق المنظم، لأن المشتري بأجل يطلب من البائع أن يبيع السلعة نقدًا نيابة عنه لرجل أخر، فقوله: فإذا وجَبَ البيع بينهما قال المبتاع للبائع: بعها لي من رجل بنقد، أي قال المشتري للبائع بعها لي، أي بعها نيابة عني. وقوله: (من رجل) أي غير البائع نفسه كما هو ظاهر.

2 -إن الإمام مالكا منع هذا التعامل بقوله: (لا خير فيه) وبنهيه عنه أيضاَ، ونحوه ما جاء في النوادر والزيادات: (قال مالك: ولا يلي بيعها لمبتاعها منه يسأله ذلك. قال أشهب: لا خيرَ فيه، فإن فعل وكان بيعًا صحيحًا بعد قبض المبتاع لها، لم يفسخ، وإن كان قبل يقبضها فسخ، إلاّ أن يبيعَها بعشرة فأكثرَ نقدًا، فلا يُفْسَخُ) [3] . وهذا يوافق فتوى سعيد بن المسيب في هذه المسألة. ولا غرابة في ذلك، فالإمام مالك وارث علم أهل المدينة قبله، ومن أبرزهم سعيد بن المسيب.

3 -قول المشتري:"إني لا أبصر البيع"هو نفس التعليل الذي سُئل عنه الحسن البصري. ومع ذلك فإن الإجابة كانت حاسمة بالمنع. وهذا يؤكد أنه لو كان مقصود المشتري من تحصيل النقد بهذا الأسلوب أمرًا مشروعًا ومحمودًا، لكانت إعانته عليه محمودة كذلك، فلما كانت الإعانة مذمومة، علم أن هذا الأسلوب غير محمود أصلًا.

(1) مالك، المدونة، مرجع سابق، ج 4/ ص 125.

(2) السويلم، موقف السلف من التورق المنظم، مرجع سابق، ص 4.

(3) القيرواني، ابي محمد عبد الله بن عبد الرحمن ابي زيد، النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات، ط 1، بيروت، لبنان: دار الغرب الاسلامي، 1999، ج 6/ ص 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت