الصفحة 45 من 71

2 -إن فتوى سعيد بن المسيب كانت بتحريم هذه المعاملة لأنها ربا، بل وصفها بأنها (الربا محضًا) ، وأن داود ليس له من أخته إلا رأسماله الذي يعادل الثمن النقدي، وتبطل الزيادة فوق ذلك.

3 -إن فتواه كانت حاسمة وواضحة، وهذا يشعر أن هذه المعاملة لم تكن جديدة على سعيد، بل وقف عليها وعلم حكمها قبل ذلك. وإذا كان سعيد بن المسيب لقي جمعًا كبيرًا من الصحابة، وكان صهر أبي هريرة رضي الله عنه، وكان مقيمًا بالمدينة النبوية وفيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أعلم الناس بأقضية النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فَيبعد والحال كذلك أن تكون هذه الفتوى، بهذا الجزم، محض اجتهاد منه، بل الأقرب أن له فيها سلفًا يتصل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

4 -أن أخت داود سمّت معاملتها عينة، لأنها قالت: أريد أن تشتري متاعًا عينة، مع أن مقصودها ليس العينة الثنائية وإنما التورق. فدل على أن التورق كان يسمى عينة. ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن سليمان التيمي: (أن إياس بن معاوية كان يرى التورق يعني العينة) [1] . ففسر التورق بأنه عينة.

••الحسن بن يسار البصري [2] .

روى عبد الرزاق عن أبي كعب، عبد ربه بن عبيد الأزدي، أنه قال: قلت للحسن: إني أبيع الحرير، فتبتاع مني المرأه والأعرابي، يقولون: بعه لنا فأنت أعلم بالسوق. فقال الحسن: (لا تبعه، ولا تشتره، ولا ترشده، إلا أن ترشده إلى السوق) . وروى أيضاَ عن رزيق بن أبي سلمى أنه قال: سألت الحسن عن بيع الحريرة، فقال: (بع واتق الله) . قال: يبيعه لنفسه. قال: (إذا بعته فلا تدل عليه أحدًا، ولا تكون منه في شيء. ادفع إليه متاعه ودعه) [3] .

وهذا الأثر يتضمن عدد من الدلالات [4] :

1 -قوله: إني أبيع الحرير، كان الغالب آنذاك هو استعمال الحرير للحصول على النقد من خلال شرائه بأجل ثم يبيعه نقدًا، ولهذا قال ابن عباس في العينة: دراهم بدراهم وبينهما حريرة، وتسمى العينة أحيانًا: (بيع الحريرة) [5] . ويفهم أن أبا كعب ربما باع بأجل لمن يريدون العينة، ولهذا قال الحسن في الرواية الثانية: (بع واتق الله) أي لكثرة ما يلابس بيع الحرير من الوقوع في العينة بصورها المختلفة.

2 -إن جواب الحسن صريح في منع البائع بأجل من أن يتدخل بأي صورة من الصور لتحصيل النقد للمشتري، ولهذا قال: (لا تكون منه فيه شيء ادفع إليه

(1) أبن شيبة، مصنف أبن أبي شيبة، مرجع سابق، ج 6/ ص 47.

(2) الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد. (21 - 110 هـ) . تابعي، كان أبوه يسار من سبي ميسان، ومولى زيد بن ثابت الأنصاري، ولد بالمدينة، رأى بعض الصحابة، وسمع من قليل منهم، كان سيد أهل زمانه عِلمًا وعملًا. كان شجاعًا، فقيهًا، ثقة، فصيحًا، شهد له أنس بن مالك وغيره. وكان إمام أهل البصرة، أنظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 1/ ص 1456.

(3) أنظر: عبد الرزاق، المصنف، مرجع سابق، ج 8/ ص 295.

(4) السويلم، موقف السلف من التورق المنظم، مرجع سابق، ص 3.

(5) أنظر: المصنف لابن ابي شيبة، مرجع سابق، ج 6/ص 48، ابن تيمية، بيان الدليل على بطلان التحليل، مرجع سابق، ص 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت