الصفحة 44 من 71

الدليل الخامس: الآثار الوارده عن السلف تفيد تحريم التورق [1]

إن هذا البيع كان معروف منذ القرن الأول للهجرة، وان فتاوى السلف بشأنها كانت صريحة وحاسمة في منعه منها:

••فتوى سعيد بن السيب [2] .

حدثنا أبو بكر قال حدثنا ابن مهدي عن سعيد بن السائب عن داود بن أبي عاصم روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن داود بن أبي عاصم الثقفي أن أخته قالت له: إني أريد أن تشتري متاعًا عينة، فاطلبه لي. قال: فقلت فإن عندي طعامًا، قال: فبعتُها طعاما بذهب إلى أجل واستَوفَتْه. فقالت: انظر لي من يبتاعه مني. قلت: أنا أبيعه لك. قال: فبعتها لها. فوقع في نفسي من ذلك شيء. فساُلتُ سعيد بن المسيب فقال: (انظر ألا تكون أنت صاحبه؟) قال: قلت فأنا صاحبه. قال: (فذلك الربا محضًا، فخذ رأس مالك، وأردد إليها الفضل) هذا لفظ عبد الرزاق [3] .

وهذا الأثر يتضمن عدد من الدلالات المهمة [4] :

1 -إن هذه المعاملة التي تمت بين داود وأخته كانت من التورق المنظم، لأن داود هو الذي باع السلعة بأجل ثم تولى بيعها نقدا نيابة عن أخته لطرف ثالث. ويدل على أن البيع النقدي كان لطرف ثالث أمور أهمها:

أ - التصريح بأنها (أمَرتْه أن يبيعه) ، وهذا صريح أنه نائب عنها في البيع، لا أنه هو المشتري.

ب - قوله: (أنا أبيعه لك) . وهذا معناه أنه يبيع نيابة عنها، لا أنه يشتري منها، وهذا معروف عند السلف، إذا قال: أبيعه لك، أي أبيعه لمصلحتك نيابة عنك [5] .

جـ - قولها: (أنظرلي من يبتاعه مني) ، وهذا يدل على أنها طلبت البحث عن المشتري بعد شرائها من أخيها بأجل، ولو كان المقصود أن يشتريها هو نفسه لما كان هناك حاجة للبحث عن مشتر.

د- أن عبد الرزاق وأبن أبي شيبة ذكرا هذا الأثر في باب أخر خلاف أبواب العينة الثنائية فهذه المعاملة من باب التورق المنظم وليست من العينة الثنائية التي ترجع فيها السلعة للبائع [6] .

(1) السويلم، موقف السلف من التورق المنظم، موقع الشبكة المعلوماتية www.aldaawah.com

(2) سعيد بن المُسيِّب بن حَزْن بن أبي وهْب بن عمْرو بن عائذ بن عمْران بن مخزُوم بن يَقَظة (13 - 94 هـ) ، قرشي، مخزومي، عالم أهل المدينة، وسِّيدُ التابعين في زمانه. رأى عُمر، وسمع عثمان، وعليًّا، وزيد بن ثابت، وعائشة وأبا هُريرة وكان مِمَّن برَّز في العِلْم والعمل. وكان من أعبر الناس للرؤيا، من كبار التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع. كان لا يأخذ عطاءاَ. ويعيش من التجارة بالزيت. توفي بالمدينة، أنظر: الذهبي، أعلام النبلاء، ج 2/ ص 1828.

(3) أبي شيبة، الإمام الحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان ابن ابي بكر، مُصَنّف ابن أبي شيبة، د. ط، كراتشي، باكستان: منشورات ادارة القرآن والعلوم الإسلامية، 1406 هـ، 1986، ج 7 / ص 275. وفظ بن أبي شيبة: عن دود بن أبي عاصم أنه باع من أخته بيعاُ إلى أجل، ثم أمرته أن يبيعه، فباعه. قال: فسألت سعيد بن المسيب فقال: (أبصر ألا يكون هو أنت؟) قلت: أنا هو. قال: (ذلك الربا، فلا تأخذ منها إلا رأس مالك) . الصّنعاني، الإمام الحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع، المصنف، ط 1، بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية، 1421 هـ، 2000، ج 8 / ص 294 - 295.

(4) السويلم، موقف السلف من التورق المنظم، مرجع سابق، ص 2.

(5) أنظر: الإمام مالك، المدونة، مرجع سابق، ج 4/ ص 244 - 248.

(6) ذكر عبد الرزاق في المصنف العينة الثنائية في باب الرجل يبيع السلعة ثم يريد اشتراءها بنقد ج 8/ ص 141، بينما ذكر أثر سعيد في باب: الرجل يعيّن الرجل هل يشتريها منه أو يبيعها لنفسه، أما أبن أبي شيبة فقد ذكر في مصنف ابن أبي شيبة العينة الثنائية في باب: الرجل يبيع السلعة بالنقد ثم يشتريها ج 6/ ص 593،بينما ذكر أثر سعيد في باب: في الرجل يبيع الدين إلى أجل ج 5/ ص 375.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت