الصفحة 61 من 71

المستقبلية وفق المعادلة الربوية في احتساب الأرباح، والمتمثلة في احتساب الربح على أساس القيمة، والمدة الزمنية للتمويل، ومعدل الربح (نسبة الفائدة) . ومن هنا نلاحظ أن أداة التورق المعمول بها من قِبَل المصارف في توفير التمويل لمن يحتاج إليه، إنما هيَ وسيلة لإيجاد المخرج لاستحلال الربا تحت مسمى الشراء والبيع في السوق الدولية للسلع، فالقصد من بيع المرابحة للسلع التي يتم التعامل بها في سوق المعادن الدولي (البورصة) ، ومن ثم بيعها لصالح المشتري من المصرف إنما قصد من ذلك استحلال الإقراض أو الأقتراض. . ."فقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبادات، كما هي معتبره في التقربات والعبادات، فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالًا أو حرامًا، وصحيحًا أو فاسدًا، وطاعة أو معصية، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة، أو صحيحة أو فاسدة" [1] . فواقع ممارسة المصارف لأداة التورق بالشراء والبيع، لا ينزع عنها صفة الربا. وأن ما يؤخذ من ربح هو ربا على المال المقرض، وكذا ما يعطى على المال المقترض، وإن تغيرت المسميات، وإن عمل عقود باسم بيوع التقسيط أو المرابحة أو شراء السلع وبيعها في سوق السلع المستقبلية (البورصة) لا يغير من طبيعة التعامل ومقصده وغايته [2] .

إن من يجيز التورق ينظر للصورة في حين أن صاحب المعاملة نفسه لا ينظر للصورة بل للحقيقة، وهي الحصول على نقد حاضر بمؤجل أكثر منه. وهذا ما جعل كثيرًا من الناس يظنون أن الشريعة لا تتعامل بالحقائق بل بالرسوم والمظاهر، ولذلك جنحوا إلى إنكار حكمة التشريع والمصالح التي جاء بها، لأن هذه المصالح والحكم لا تكون إلا باعتبار الحقائق والغايات. فبناء الحكم على الصورة دون الحقيقة يجعل الناس أقل إيمانًا بالشريعة وتعظيمًا لها، ومن ثم أقل التزامًا بأحكامها. . . أن مقصد الشرع من ربط التمويل بالبيوع هو أن يكون التمويل تابعًا للمبادلات، أما التورق وسائر صور العينة فهي على النقيض من ذلك، تجعل المبادلات تابعة للتمويل. وهذا مع مناقضته لحكمة التشريع، فهو مناقض للمنطق الاقتصادي. لأن تكلفة التمويل لا يمكن الوفاء بها إلا من خلال النشاط الاقتصادي خادمًا للتمويل. فإذا انعكس الوضع وصار النشاط الاقتصادي خادمًا للتمويل، انعكس الهدف من النشاط الاقتصادي أصلًا، فبدلًا من أن يكون سببًا لتحقيق الرفاه والرخاء، صار مسخّرًا لسداد تكاليف التمويل وخدمة الديون. فيصبح التمويل نزيفًا في جسم الاقتصاد لمصلحة أصحاب المال، كما هوالحال في النظام الربوي [3] .

ثم ان المصارف أصبحت تستغل حاجة الناس للنقد فتركب لهم مجموعة من العقود لتمكنهم من الحصول على التمويل بالربا من خلال التورق، بغطاء مخروق بأكثر من جانب، وذلك بإضافة الجانب الشرعي على المعاملة.

فالتورق المصرفي المنظم محرم للاسباب التالية [4] :

1 -ان العقد حيلة على الربا، فالعميل لم يقبض من البنك إلا نقودًا وسيرد إليه تلك النقود بعد أجل بزيادة، فحقيقته قرض من المصرف للعميل بفائدة، والسلعة المسماة في العقد إنما جيء بها حيلة لإضفاء الشرعية على العقد، ولهذا فإن

(1) ابن القيم، إعلام الموقعين، مرجع سابق، ج 3/ ص 701 - 801.

(2) الشباني، التورق نافذة الربا في المعاملات المصرفية، مرجع سابق، ص 27 - 28، بتصرف.

(3) السويلم، التورق. . . والتورق المنظم، مرجع سابق، ص 23 - 33، بتصرف.

(4) للاستزادة، أنظر: الشباني، التورق نافذة الربا في البنوك، مرجع سابق، الشبيلي، حكم التورق الذي تجريه البنوك، مرجع سابق، السعيدي، التورق كما تجريه المصارف في الوقت الحاضر، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت