الصفحة 60 من 71

يفضي إلى المحرم غالبًا، ويعلم بذلك بالتجربة والمشاهدة. كما في منع النبي صلى الله عليه وسلم لبيع التمر قبل بدو الصلاح، حين رأى ما يفضي إليه من النزاع والشقاق [1] . والنوع الثاني: قد لا يتحقق إفضاؤه إلى المحرم، لكن الحوافز الفطرية تقتضيه. ومن هذا الباب تحريم النبي صلى الله عليه وسلم - للدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين، خشية الوقوع في الربا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولاالدرهم بالدرهمين، ولا الصَّاع بالصَّاعين، فإني أخاف عليكم الرماء) والرماء: هو الربا [2] . فلم ينتظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى حين تحقق إفضاء ذلك إلى الربا كي ينهي عنه، لعلمه أن الطباع تقتضيه. وأكثر الذرائع التي حرمها الشرع في المعاملات المالية هي من النوع الثاني، لأن النشاط الاقتصادي مبني على الحوافز بالدرجة الأولى. وإذا كان هذا هو منهج التشريع في الذرائع، فمن السهل أن ندرك موقفه من التورق حتى لو فرض جدلًا أنه غير محرم في ذاته. وذلك أن جميع التكاليف والأعباء المتصلة بالسلعة، كالقبض والحيازة والتسليم والمعاينة النافية للجهالة وكل ما يتصل بذلك من الاجراءات، ليس من مصلحة أي طرف الالتزام بها، لأنه لا غرض لأي منهما فيها. وفي هذه الحالة فإن الربا الصريح أجدى اقتصاديًا من التورق وسائر صور العينة والحيل الربوية. فكل معاملة تؤدي إلى نفس نتيجة الربا، وهي ثمن حاضر بمؤجل أكثر منه، مع زيادة التكلفة، فإن الحوافز الفطرية تقتضي التخلص من هذه التكاليف لتحقيق مصلحة الطرفين، فيكون مآل ذلك إلى الربا. بخلاف البيوع الشرعية التي تتضمن من المصالح والمنافع ما يجبر تكاليف الشروط والإجراءات الشرعية، ومن ثم لا توجد حوافز كافية للتخلص من هذه التكاليف، فلا تفضي إلى الربا. إن الربا هو أيسر الطرق وأقلها كلفة للحصول على السيولة مقابل زيادة في الذمة. والحياة الاقتصادية قائمة على البحث عن الأقل كلفة والأكثر ربحًا. فكل معاملة تحقق نتيجة الربا مع زيادة التكلفة، فإن ضغط المنافسة وطلب الربحية سيؤدي تدريجيًا إلى إزالة هذه التكاليف، عاجلًا أو آجلًا، ومن ثم الاقتراب أكثر فأكثر من الربا. وإذا كان كذلك فيجب منعه عملًا بقاعدة الشرع المحكمة في سد الذرائع [3] .

2 -من القواعد التي يقوم عليها التشريع الإسلامي:"ان العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني" [4] فالعبربالمقاصد والنيات، ولهذا لابد من النظر إلى المقصد والغاية من أداة التورق في تعامل هذه المصارف في حقيقة أمرها، وبموجب عقود تأسيسها، فإنها مبنية على أساس أن النقود هي مجال عملها، فهي تتاجر في النقود وليست تتاجر بالنقود، كما يمارس من قبل الأنشطة الاقتصادية الأخرى، ومن مجالات الأعمال التي تمارسها هذه المصارف والمبنية على أسس ربوية: المتاجرة بالاستثمارات المالية في الأسواق الدولية، ومن ضمنها المضاربة في سوق السلع المستقبلية (بورصة البضائع) ، حيث يتم احتساب أرباح المعاملات التي تمارسها وفق ما أطلق عليه المرابحة في سوق السلع

(1) مسند الإمام أحمد، حديث رقم (937) ، ج 2/ ص 187، إسناده ضعيف، لجهالة الشيخ من بني تميم. أبو عامر المزني: هو صالح بن رستم الخزاز، ضعفه ابن معين، ووثقه أبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني وذكر ابن حبان في الثقات. والحديث رواه أبو داود في البيوع، باب في بيع المضطر، رقم 3382،ج 5/ص 48، صححه الترمذي، الجامع الصحيح، أبواب البيوع (12) ، باب ما جاء في كراهية بيع الغرر (17) ، رقم الحديث (1230) ، ج 3/ ص 532.

(2) رواه الإمام أحمد بن حنبل، مُسَند، ج 10/ ص 125، إسناده ضعيف، وأخرجه مالك في الموطأ، مرجع سابق، ج 2/ ص 634.

(3) السويلم، التورق. . . والتورق المنظم، مرجع سابق، ص 29 - 31، بتصرف.

(4) شبير، محمد عثمان، القواعد الكلية والضوابط الفقهية في الشريعة الإسلامية، ط 1،عمان، الأردن: دار الفرقان، 1420 هـ،2000،

ص 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت