وزيادتها بتعب الاحتيال في معصية ومخادعة الله ورسوله، هذا لا يأتي به شرع. . . فأي فرق بين بيع مائة بمائة وعشرين درهمًا صريحًا وبين إدخال سلعة لم تقصد أصلًا بل دخولها لخروجها. ولهذا لا يسأل العاقد عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها ولا عيب فيها ولا يبالي بذلك ألبته حتى لو كانت خرقة مقطعة أو أُذُنَ شاة أو عودًا من حطب أدخلوه محللًا للربا، ولما تفّطن المحتالون إلى أنَّ هذه السلعة لا اعتبار بها في نفس الأمر، وأنها ليست مقصودة بوجه، وأن دخولها كخروجها - تهاونوا بها - ولم يبالوا بكونها مملوكةٌ للبائع أو غير مملوكة، بل لم يُبال بعضُهم بكونها مما يُباعُ أو مما لا يباعُ. . . وكل هذا واقع من أرباب الحيل، وهذا لما علموا أنَّ المشتري لا غرضَ له في السلعة فقالوا: أي سلعة اتفق حضورها حصلَ بها التحليلُ" [1] ."
"فجمهور الفقهاء يدرجون التورق ضمن معاني العينة التي ورد بها الحديث. وإذا كان الحديث ذكرها في معرض الذم والتحذير، دل على أن هذه المعاملة مذمومة شرعًا، وهذا يقتضي التحريم. فإن قيل: إن الفقهاء الذين ذكروا التورق ضمن صور العينة لم يحكموا بتحريمه، بل حكموا بالجواز. فلمَ يؤخذ ببعض قولهم دون بعض؟"
قيل: إدراج التورق ضمن العينة مبني أولًا على معنى العينة في اللغة، إذ هي الحصول على النقد من خلال البيع. وهذا المعنى مطابق لمفهوم التورق.
ثم أنه ليس صحيحًا أن الفقهاء أطلقوا القول بجواز التورق، بل صرحوا بالكراهة، خاصة المتقدمون منهم. ومعلوم أن الكراهة عند المتقدمين تفيد التحريم غالبًا، كما يقول ابن تيمية [2] . تورّعًا منهم عن إطلاق القول بالتحريم. وإنما صرح بالجواز المتأخرون، لأسباب سبقت الإشارة إلى بعضها. وقد نص الإمام أحمد في رواية على تحريم التورق. ومعلوم من أصول مذهب أحمد أنه يمنع الحيل كلها. قال الموفق ابن قدامة:"قد ثبت من مذهب أحمد أن الحيل كلها باطلة" [3] . والتورق حيلة بلا ريب، وإنما وقع الخلاف هل هو حيلة جائزة أو ممنوعة. فإذا اختلفت الروايات عنه رحمه الله فالرواية الموافقة للأصل أولى مما يخالفه، ويمكن حمل رواية الجواز على حالة الضرورة، وبذلك يزول الاختلاف بينهما، والجمع مقدم على الترجيح. أما ترجيح رواية الجواز فهو إهمال لرواية التحريم من جهة، ولأصل مذهب أحمد في الحيل، من جهة أخرى. فتفسير العينة بما يشمل التورق هو من باب الرواية التي تناقلها الفقهاء عن السلف، وأيدها كلام أهل اللغة. وأما الحكم بالجواز أو عدمه، فهو من باب الرأي والاجتهاد. وإذا اختلفت رواية العالم ورأيه، فالعبرة بما روى لا بما رأى، كما هو مقرر في القواعد [4] " [5] . وكل صور العينة تتضمن البيع صوريًا، لكنها لا تتضمن منفعة البيع الحقيقية التي لأجلها افترق البيع عن الربا. فالمتورق لا ينتفع بالسلعة ولا يربح منها، لأنه لا بد أن يتخلص منها بخسارة ليحصل على النقد، فتصبح بذلك عبئًا إضافيًا عليه فوق الزيادة مقابل الأجل التي تحملها ابتداء. فبدلًا أن يكون"
(1) ابن القيم، إعلام الموقعين، مرجع سابق، ج 3/ ص 142 - 145.
(2) ابن تيمية، كتاب بيان الدّليل على بطلان التحليل، ط 1، بيروت، لبنان: المكتب الإسلامي، 1418 هـ، 1998،ص 422.
(3) ابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، من أهل جمّاعيل من قرى نابلس بفلسطين. خرج من بلده صغيرا مع عمه عندما ابتليت بالصليبين، واستقر بدمشق. رحل إلى بغداد أربع سنين ثم عاد إلى دمشق، توفي سنة 620 هـ. من تصانيفه"المغني في الفقه شرح مختصر الخرقي"عشر مجلدات، و"الكافي"، و"المقنع"، و"العمدة"، وله في الأصول"روضة الناظر". أنظر: الموسوعة الفقهية، ج 1 / ص 333. المغني، بيروت، لبنان: دار الكتب العربي، 1403، 1983، طبعة جديدة بالأوفست، ج 6/ ص 154.
(4) أنظر: ابن تيمية، الفتاوى، مرجع سابق، ج 33/ ص 90، ابن القيم، إعلام الموقعين، مرجع سابق، ج 4/ ص 394.
(5) أنظر: السويلم، التورق. . . والتورق المنظم، مرجع سابق، ص 19 - 20.