نص صريح بجوازها ولا بتحريمها، وليس فيه شبهة الربا والضرر، فإنها تعتبر مباحة عملًا بهذه القاعدة، الأصل في الأشياء الإباحة [1] .
يقول ابن القيم:"الأصل في العبادات البطلان، حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة، حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. . . فإن الحلال ما أحله الله والحرام ماحرمه، وما سكت عنه فهو عفو. فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها، فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه" [2] .
وحقيقة هذه القاعدة أن من القواعد المقررة عند الفقهاء أن الأصل في الأشياء والأعيان الإباحة مالم يرد نص بالإلزام أو المنع وحقيقة هذه القاعدة:"ما لم يُعْلمْ فيهِ تحريمٌ يجري على حُكم الحلّ". وهذه القاعدة تعضدها النصوص القرآنية وتشهد لها، وتقررها أيَّما تقرير من هذه النصوص، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [3] . ووردت السنة بما لا يُحصى كثرة في إرساء هذه القاعدة وتقريرها وإبانة فضل الله على خلقه بتشريعها حيث إن لهم فيها الفسحة الواسطة والرخصة التي تبعد كل أسباب الضيق والحرج. روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعظم المسلمين حُرْمًا من سأل عن شيء لم يُحَرَّمْ على الناس فَحُرّمَ من أجل مَسْألته) [4] . فاستدلوا على جواز ذلك بما أخذ به جمهور أهل العلم من أن الأصل في المعاملات الحل، وأن الأصل في العقود والشروط الأباحة إلا ما دل دليل على حرمته، ومما يدخل في ذلك بيوع التورق وهذا يعني أن القائل بجواز التورق لا يطالب بدليل على قوله، لأن الأصل معه، وأنما المطالب بالدليل من يقول بحرمة التورق، حيث أنه يقول بخلاف الأصل، فعليه الدليل على تخصيص عموم الجواز بالتحريم وقد قال بجوازه مجموعة من أهل العلم [5] .
وقد اثبت ابن تيمية ان الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا ما دل الدليل على حرمته. ومن السنة على الأحاديث في البيع وهي في نفس المعنى. اما القياس فلان البيع توافرت فيه أركانه وشروطه وخلا من المفسدات كالغرر والجهالة والربا
(1) زيدان، عبد الكريم، الوجيز في شرح القواعد الفقهية في الشريعة الإسلامية، ط 1، بيروت، لبنان: مؤسسة الرسالة، 1422 هـ،2001، ص 179 - 180.
(2) الجوزية، ابن قيم، محمد بن ابي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي. شمس الدين من أهل دمشق. من أركان الإصلاح الإسلامي، وأحد كبار الفقهاء تتلمذ على ابن تيمية وانتصر له ولم يخرج عن شيء من أقواله. من تصانيفه:"الطرق الحكمية"،"مفتاح دار السعادة"، و"مدراج السالكين"، أنظر: الموسوعة الفقهية، ج 1، ص 333،ابن القيم، إعلام الموقعين، ط 1، راجعه وقدم له، وعلق عليه طه عبد الرءوف سعيد، بيروت، لبنان: دار الجيل، د. ت، ج 1/ ص 384 - 385.
(3) سورة اليقرة، الآية 29.
(4) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، حديث رقم 2358، ج 4/ ص 1831. ورواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يُكْرَهُ مِن كَثْرةِ السُّوَالِ وَتَكَلُّفِ مَالا يَعْنيهِ، حديث رقم 6859، ج 6/ ص 2658. السّدلان، صالح بن غانم، القواعد الفقهية الكبرى وما تفَرَّعَ عنهَا، ط 2، الرياض، المملكة العربية السعودية: دار بلنسية، 1420 هـ، 1999، ص 126 - 129.
(5) المنيع، حكم التورق كما تجريه المصارف في الوقت الحاضر، مرجع سابق، ص 4.