الصفحة 34 من 71

على منعه ولا نعلم حجة شرعية تمنع هذه المعاملة وأما تعليل منعها أو كرهه يكون المقصود منها هو النقد فليس ذلك موجبًا لتحريمها ولا لكراهتها، لأن مقصود التجار غالبًا في المعاملات هو تحصيل نقود اكثر بنقود أقل والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك، إنما يمنع هذا العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة العينة فإن ذلك حيلة على الربا. أما التورق التي يسميها بعض الناس الوعدة فهي معاملة اخرى ليست من جنس مسألة العينة [1] .

الدليل الخامس: استدلوا على الإباحة والجواز بما في الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا من خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل تمر خيبر هكذا؟ قال والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا [2] .

ووجه الاستدلال:

إن هذا الحديث إجازة هذا المخرج للابتعاد بواسطته عن حقيقة الربا وصورته إلى طريقة ليس فيها قصد الربا ولا صورته وإنما هي عقد بيع صحيح مشتمل على تحقق شروط البيع وأركانه وانتفاء أسباب بطلانه أو فساده ولم يكن قصد الحصول على التمر الجنيب والأخذ بالمخرج إلى ذلك مانعًا من اعتبار الإجراء الذي وجه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على جواز البيوع إذا كانت بصيغ شرعية معتبرة بعيدة عن صيغ الربا وصوره ولو كان الغرض منها الحصول على السيولة للحاجة إليها [3] . فاستدلوا على أن الأصل في العقود هو تحقيق صورته الشرعية وعلى أن الشيء قد يكون حرامًا لعدم تحقق صورته الشرعية كما ورد في هذا الحديث، وأنه يتحول إلى الحلال إذا غيرت صورته المحرمة مع أن القصد الأساسي واحد. ويتضح من ذلك أن الذي يعتد به هو صيغة العقود وصورتها، وليس النيات والقصود [4] .

الدليل السادس: أن الاصل في العقود والمعاملات الحل والاباحة حتى يقوم الدليل على تحريمها

وجه الاستدلال:

تشمل القاعدة كل ما لم يرد بشأنه شيء محدد أي دليل خاص بالرجوع إلى هذه القاعدة لمعرفة حكمه. . . ويتخرج من هذه القاعدة العقود والتصرفات التي لم يرد

(1) ابن باز، عبد العزيز بن عبد الرحمن، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ط 1،بيروت، لبنان: مؤسسة الرسالة،1421 هـ،2000، كتاب البيوع، ج 19/ ص 93.

(2) أخرجه البخاري ذكر الحديث في أربعة مواضع من"صحيحه"في"البيوع"- باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، ج 1، ص 293، وفي"الوكالة"- باب الوكالة في الصرف والميزان، ج 1 / ص 308، وفي"المغازي"- باب استعمال النبي صلى الله عليه وسلم على أهل خيبر، ج 2/ ص 609، وفي الاعتصام - باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم، فأخطأ خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم - من غير علم، فحكمه مردود، ج 2/ ص 1092. أنظر: الزيلعي، الإمام جمال الدين أبن محمد عبد الله بن يوسف الحنفي المتوفي سنة 762 هـ، نصب الراية لأحاديث الهداية، ط 3، بيروت، لبنان: دار إحياء التراث العربي، 1407 هـ، 1987، الهامش، ج 4/ ص 43. أخرجه الدارقطني بلفظ أخر في سننه، خديث رقم 54، ج 3 / ص 17. (أما الجنيب فبجيم مفتوحة ثم نون مكسورة ثم مثناة تحت ثم موحدة وهو نوع من التمر من أعلاه وأما الجمع فبفتح الجيم واسكان الميم وهو تمر رديء وهو الخلط من التمر ومعناه مجموع من أنواع مختلفة) أنظر: صحيح مسلم بشرح النووي، ط 3، بيروت، لبنان،: دار إحياء التراث العربي، 1404 هـ، 1984،ج 11/ ص 21.

(3) المنيع، حكم التورق كما تجريه المصارف الإسلامية في الوقت الحاضر، مرجع سابق، ص 4.

(4) أنظر: خوجه، ملخص أبحاث في التورق، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت