فقوله تعالى"وأحل الله البيع"يدل على إباحة التورق، لأنه لا دليل هنا على حرمة التورق، فهذه المعاملة داخلة في عموم ما أحل الله من البيع [1] .
الدليل الثاني: قوله تعالى: {لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُم} [2] .
وجه الدلالة:
ينهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا. . . لكن المَتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال [3] . أن الذي يشتري ليبيع بعد ذلك لم يرتكب أمرًا منهيًا عنه، وكل صفقة تجارية من البائع هي أصلها دراهم تحولت إلى سلعة، ثم إن صاحبها يبيعها فتتحول إلى دراهم أكثر من الأولى. وهو ربح التجار الحلال، وهو التجارة بالنقود يشتري بالنقود سلعة، ثم يبيع بالنقود سلعة، أما المنهي عنه فهو أن يبيع النقود لتعود إليه النقود، والفرق بينهما كبير فالتعامل بالنقود يتحمل التاجر تبعة الرد بالعيب، وتبعة العود عند الاستحقاق والنقود لا تتعين بالتعيين [4] . إن مقصود التجارة غالبًا في المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل، والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك، وإنما يمنع مثل هذا العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة العينة، فإن ذلك يتخذ حيلة على الربا [5] . ولم يقل أحد إن التاجر إذا كان يقصد بتجارته الحصول على نقد أكثر إن هذه التجارة تكون مكروهة فكذلك التورق، فإن المقصود منه النقد، والمبيع هو الواسطة بينهما [6] . فظاهر النصوص يقتضي جواز كل بيع، إلا ما خص بدليل وقد خص البيع متفاضلًا على المعيار الشرعي فبقي البيع متساويًا على ظاهر العموم، فالتورق من البيوع الجائزة ولم يأت دليل يقضي بأن التورق غير جائز [7] .
الدليل الثالث: العموم المستفاد من قوله تعالى: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [8] .
وجه الدلالة:
ذكر الزمخشري في الكشاف:"إذ بين لماذا قيل تداينتم بدين إلى أجل مسمى، ولم يحذف لفظ (الدين) فقال ليرجع الضمير إليه في قوله: (فاكتبوه) ، إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدَّين، فلم يكن النظم بذلك الحُسْنِ، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال" [9] .
يقول السعدي:"جواز المعاملات في الديون سواء كانت ديون سلم أو شراء مؤجلا ثمنه فكله جائز، لأن الله أخبر به عن المؤمنين، وما أخبر به عن المؤمنين فإنه من مقتضيات الإيمان، وقد أقرهم عليه الملك الديان، فهذه الآية فيها إرشاد من الباري لعباده في معاملاتهم إلى حفظ حقوقهم بالطرق النافعة والاصلاحات التي لا يقترح العقلاء أعلى ولا أكمل منها" [10] .
فالتورق نوع من المداينة الجائزة الداخلة في عموم الآية [11] .
الدليل الرابع: قاعدة:"الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة" [12] .
معنى القاعدة: أن الحاجة تنزل فيما يحظره ظاهر الشرع منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة. وتنزيلها منزلة الضرورة في كونها تثبت حكمًا. فالضرورة هي الحالة الملجئة إلى ما لا بد منه، والحاجة هي الحالة التي تستدعي تيسيرًا أو تسهيلًا لأجل الحصول على المقصود، فهي دون الضرورة من هذه الجهة، وإن كان الحكم الثابت لأجلها مستمرًا، والثابت للضرورة موقتا. إن ما يجوز للحاجة فيما ورد فيه نص يجوزه. أو تعامل، أو لم يرد فيه شيء منها ولكن لم يرد فيه نص يمنعه بخصوصه وكان له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به وجعل ما ورد في نظيره واردًا فيه. أو ما لم يرد فيه نص يجوزه أو تعامل، ولم يرد فيه نص يمنعه، ولم يكن له نظير جائز في الشرع يمكن إلحاقه به، ولكن كان فيه نفع ومصلحة [13] .
فالنفع والمصلحة متحقق في التورق، وهو مسيس الحاجة إلى النقود، فالمستورق ليس أمامه للحصول على السيولة سوى القرض الحسن، وقد يكون صعب المنال، أو القرض الربوي وهو حرام. فبذلك أفتى سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز بجواز التورق لمسيس الحاجة قائلًا: إذا كان مقصود المشتري لكيس السكرونحوه بيعه والانتفاع بثمنه وليس مقصوده الانتفاع بالسلعة نفسها فهذه المعاملة تسمى مسألة التورق ويسميها العامة"الوعدة"وقد اختلف العلماء في جوازها على قولين: الأول: أنها ممنوعة أو مكروهة، لأن المقصود منها شراء الدراهم بدراهم، وإنما السلعة المبيعة واسطة غير مقصودة.
القول الثاني للعلماء: جواز هذه المعاملة لمسيس الحاجة إليها، لأن ليس كل أحد اشتدت حاجته إلى النقد يجد من يقرضه بدون ربا، ولدخولها في عموم قوله تعالى:"وأحل الله البيع" [14] وقوله تعالى:"يا آيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه" [15] ولأن الأصل في الشرع حل جميع المعاملات إلا ما قام الدليل
(1) المشيقح، خالد بن علي، التورق المصرفي عن طريق المعادن، مجلة البحوث الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية: مجلة دورية محكمة تصدر عن الرئاسة العامة لإدارت البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد،1425 هـ، العدد الثالث والسبعون، ص 262.
(2) سورة النساء، الآية 29.
(3) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، د. ط، د. ت، بيروت، لبنان: دار التراث العربي، ج 1/ ص 479.
(4) السلامي، محمد مختار، التورق والتورق المصرفي، الاقتصاد الاسلامي، مجلة محكمة، مجلد (24) العدد 274، محرم- 1425 هـ، مارس- 2004، ص 21.
(5) مجلة البحوث الإسلامية، أنواع البيوع التي يستعملها كثير من الناس، إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية: مجلة دورية محكمة تصدر عن الرئاسة العامة لإدارت البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، 1413 هـ، العدد السابع والثلاثون، ص 55.
(6) المشيقح، التورق المصرفي عن طريق المعادن، مجلة البحوث الإسلامية، مرجع سابق، العدد الثالث والسبعون، ص 247.
(7) أنظر: الفوزان، صالح، الفرق بين البيع والربا في الشريعة الإسلامية، ص 4، بتصرف. نشر على موقع الشبكة المعلوماتية ... www.Alfuzan.net/islam
(8) سورة البقرة، آية 282.
(9) الزمخشري، أبي القاسم محمود بن عمر، الخوارزمي، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ط 1، بيروت، لبنان: دار إحياء التراث، 1417 هـ، 1997، ج 1/ ص 402.
(10) السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تفسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، د. ط، بيروت، لبنان: مؤسسة الرسالة،1416 هـ، 1996،ص 98.
(11) أنظر: المشيقح، التورق المصرفي عن طريق بيع المعادن، مجلة البحوث الإسلامية، مرجع سابق، ص 247، بتصرف.
(12) الزرقا، أحمد بن الشيخ محمد، شرح القواعد الفقهية، ط 2،دمشق، سوريا: دار القلم، 1409 هـ، 1989،ص 155.
(13) الزّرقا، شرح القواعد الفقهية، مرجع سابق، ص 209 - 210.
(14) سورة البقرة، آية 275.
(15) سورة البقرة، آية 282.