دعائه، لم يكن فاجرًا، بل برًّا، وإذا لم يكن مع دعوى النبوة إلا برًّا، تعيّن أن يكون نبيًا صادقًا، فإن هذا يمتنع أن يتعمّد الكذب، ويمتنع أن يكون ضالًا يظن أنه نبي" [1] ."
وقد تعددت الوقائع التي شهدت إجابة الله عزوجل لدعاء نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكل واحدة من هذه الوقائع تكفى دليلًا شاهدًا على صدقه صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك ما رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
أَصَابَتْ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا.
يقول أنس: فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً [2] ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَمِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى.
وفي الجمعة الأخرى َقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ أَوْ قَالَ: غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا) .
يقول أنس: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتْ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ [3] شَهْرًا وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ [4] .
يقول الحافظ ابن حجر:"وفيه عَلَمٌ من أعلام النبوة في إجابة الله دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام عقِبه أو معَه، ابتداء في الاستسقاء، وانتهاء في الاستصحاء، وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة" [5] .
وقال النووي:"ومراده بهذا؛ الإخبار عن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعظيم كرامته على ربه سبحانه وتعالى، بإنزال المطر سبعة أيام متوالية متصلًا بسؤاله من غير تقديم سحاب ولا قزَع، ولا سببٍ آخر، لا ظاهرٍ ولا باطن" [6] .
ولقد أجاب الله عزوجل دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم في عدد من أتباعه وأصحابه، ومن ذلك دعائه صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك رضى الله عنه، روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: (أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ) ، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً، قَالَ: مَا
(1) 1 - الجواب الصحيح (6/ 297) .
(2) 2 - أي قطعة من السحاب
(3) 3 - الجوبة: هي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفُرجة في السحاب، ووادي القناة اسم لوادٍ مشهور من أودية المدينة. انظر فتح الباري (2/ 479) .
(4) 4 - رواه البخاري كتاب الجمعة باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، وروى مثله مسلم في كتاب صلاة الاستسقاء باب الدعاء في الاستسقاء.
(5) 5 - فتح الباري (2/ 480) .
(6) 1 - شرح صحيح مسلم (6/ 192) .