ثُمَّ لَحِقْتُهُ فَقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعَمَّ ذَاكَ قَالَ إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ [1] .
ومن ذلك كذلك، ما رواه الترمذي في سننه عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بِمَ أَعْرِفُ أَنَّكَ نَبِيٌّ قَالَ إِنْ دَعَوْتُ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَنْزِلُ مِنْ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ ارْجِعْ فَعَادَ فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ [2] .
ومن الأخبار العظيمة في هذا الشأن؛ ما ذكره الإمام أحمد في مسنده عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيِّ قَالَ:
ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ رَأَيْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(البعير يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَهُ إِذْ مَرَرْنَا بِبَعِيرٍ يُسْنَى [3] عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِيرُ جَرْجَرَ [4] وَوَضَعَ جِرَانَهُ [5] فَوَقَفَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ فَجَاءَ فَقَالَ بِعْنِيهِ فَقَالَ لَا بَلْ أَهَبُهُ لَكَ فَقَالَ لَا بِعْنِيهِ قَالَ لَا بَلْ أَهَبُهُ لَكَ وَإِنَّهُ لِأَهْلِ بَيْتٍ مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ غَيْرُهُ قَالَ أَمَا إِذْ ذَكَرْتَ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ شَكَا كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ الْعَلَفِ فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ.
(شجرة تظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم)
قَالَ ثُمَّ سِرْنَا فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَنَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْ شَجَرَةٌ تَشُقُّ الْأَرْضَ حَتَّى غَشِيَتْهُ [6] ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ ذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ هِيَ شَجَرَةٌ اسْتَأْذَنَتْ رَبَّهَا عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنَ لَهَا.
(علاجه صلى الله عليه وسلم لصبي مجنون)
قَالَ ثُمَّ سِرْنَا فَمَرَرْنَا بِمَاءٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا بِهِ جِنَّةٌ [7] فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْخَرِهِ فَقَالَ اخْرُجْ إِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ ثُمَّ سِرْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ سَفَرِنَا مَرَرْنَا بِذَلِكَ الْمَاءِ فَأَتَتْهُ الْمَرْأَةُ بِجَزُورٍ وَلَبَنٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرُدَّ الْجَزُورَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَشَرِبَ مِنْ اللَّبَنِ فَسَأَلَهَا عَنْ الصَّبِيِّ فَقَالَتْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْنَا مِنْهُ رَيْبًا بَعْدَكَ [8] .
3 -شهادة الذئب برسالته صلى الله عليه وسلم:
ومن عجيب الأخبار في ذلك أن الله عزوجل أنطق الذئاب فتكلمت وأقرت بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ودعت الناس إلى الإيمان به صلى الله عليه وسلم، روى الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ فَأَخَذَهَا فَطَلَبَهُ الرَّاعِي فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ فَأَقْعَى [9] الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِه.
قَالَ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ تَنْزِعُ مِنِّي رِزْقًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيَّ.
فَقَالَ يَا عَجَبِي ذِئْبٌ مُقْعٍ عَلَى ذَنَبِهِ يُكَلِّمُنِي كَلَامَ الْإِنْسِ.
فَقَالَ الذِّئْبُ أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَثْرِبَ يُخْبِرُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ.
قَالَ فَأَقْبَلَ الرَّاعِي يَسُوقُ غَنَمَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَزَوَاهَا إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُودِيَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لِلرَّاعِي أَخْبِرْهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ [10] سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ [11] .
وقد أورد البيهقي في دلائل النبوة عددًا من الروايات لهذه القصة، جاء فيها:
فقال الأعرابي: العجب من ذئب يتكلم، فقال الذئب: مم تعجب؟ فقال: أعجب من مخاطبتك إياي.
فقال الذئب: أعجب من ذلك رسول الله بين الحرتين في النخلات يحدث الناس بما قد خلا ويحدث بما هو آت وأنت ها هنا تتبع غنمك.
فساق الأعرابي غنمه حتى ألجى إلى بعض المدينة وسعى إلى النبي حتى ضرب عليه بابه فأذن له فحدثه الأعرابي فصدقه ثم قال إذا صليت بالناس الصلاة فاحضرني .. فلما صلى رسول الله قال: أين صاحب الغنم؟ فقام الأعرابي. فقال له النبي: حدث بما رأيت وبما سمعت .. فحدث الأعرابي بما سمع وبما رأى، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فتخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده.
4 -سجود البعير له صلى الله عليه وسلم:
ولقد سجد البعير رغم ما يعرف من شدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم إيمانًا وإقرارًا ببعثته، روى الإمام أحمد في مسنده عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ الْأَنْصَارِ لَهُمْ جَمَلٌ يَسْنُونَ [12] عَلَيْهِ وَإِنَّ الْجَمَلَ اسْتُصْعِبَ عَلَيْهِمْ فَمَنَعَهُمْ ظَهْرَهُ وَإِنَّ الْأَنْصَارَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ لَنَا جَمَلٌ نُسْنِي عَلَيْهِ وَإِنَّهُ اسْتُصْعِبَ عَلَيْنَا وَمَنَعَنَا ظَهْرَهُ وَقَدْ عَطِشَ الزَّرْعُ وَالنَّخْلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ قُومُوا فَقَامُوا فَدَخَلَ الْحَائِطَ وَالْجَمَلُ
(1) 1 - رواه مسلم في صحيحه كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، وما أوردناه هنا جزء من حديث جابر.
(2) 2 - رواه الترمذي في سننه كتاب المناقب عن رسول الله، باب في آيات إثبات نبوة النبي صلبى الله عليه وسلم، وقال حديث حسن غريب صحيح، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي.
(3) 3 - ينقل عليه الماء.
(4) 4 - صوت البعير عند الغضب.
(5) 5 - باطن العنق.
(6) 1 - غطيته.
(7) 2 - الصرع والجنون.
(8) 3 - رواه الإمام أحمد في مسنده (4/ 173) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/ 6) : رواه أحمد باسنادين والطبراني بنحوه، وأحد إسنادى أحمد رجاله رجال الصحيح، وصححه الشيخ الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (5922) ، وما بين القوسين في الحديث من عندنا.
(9) 4 - الإقعاء أن يُلْصِقَ الرجُل ألْيَتَيه بالأرض، ويَنْصِب ساقَيه وفَخِذَيه، ويَضَع يديه على الأرض كما يُقْعِي الكلْب.
(10) 1 - طرف الشيء.
(11) 2 - رواه الإمام أحمد في مسنده (3/ 83) ، وقال الأرناؤوط في تعليقه: رجاله ثقات رجال الصحيح، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (122) .
(12) 3 - أي ينقلون عليه الماء، وما شابه من الأشياء.