كنت تعلم ذلك وقد تعلمته منا أو من غيرنا فكان إقرارهم بعدم علمه وعلمهم ومع فرط عداوتهم له آية بينة لجميع الأمم أنه لم يكن هو ولا هم يعلمون ذلك.
ولهذا لما كان بعضهم يفتري عليه فرية ظاهرة كانوا كلهم يعلمون كذبه وإذا اجتمعوا وتشاوروا في أمره يعرفون أن هذا كذب ظاهر عليه كما كان بعضهم يقول إنه مجنون وبعضهم يقول إنه كاهن وبعضهم يقول إنه ساحر وبعضهم يقول إنه تعلمه من بشر وبعضهم يقول أضغاث أحلام، فحكى الله أقوالهم مبينا لظهور كذب من قال ذلك وأنه قول ضال حائر قد بهره حال الرسول فحار فلم يدر ما يقول" [1] ."
السادس: حوى القرآن من أخبار الأمم السابقة ما لم يأتِ في كتاب أو يعلمه حبر أو راهب، فقصة نبي الله هود لا ذكر لها في الكتب القديمة، وهناك من التفاصيل الكثيرة لم تذكر في الكتب القادمة، فأين جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الأخبار إن صح هذا الزعم الكاذب.
أما زعم بعض المشركين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقي خبر الأمم السابقة من فتي أعجمي بمكة، فهو من أبين الكذب وأظهره، فهو وإن كان بمكة في هذا الوقت مولى أعجمي لبعض قريش قيل إنه مولى لبني الحضرمي، إلا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحسن أن يتكلم بلسان العجمي وذاك لا يحسن أن يتكلم بهذا الكلام العربي فلما قالوا إنه افترى هذا القرآن وأنه علمه إياه بشر قال تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ) [النحل:103] أي يضيفون إليه هذا التعليم وينسبونه إليه وعبر عنه بلفظ الإلحاد لما فيه من الميل فقال لسان هذا الشخص الذي قالوا إنه يعلمه القرآن لسان أعجمي وهم لم يمكنهم أن يضيفوا هذا التعليم إلى رجل عربي بل إلى هذا الأعجمي لكونه كان يجلس أحيانا إلى النبي وذلك الأعجمي لا يمكنه التكلم بهذا الكلام العربي بل هو أعجمي ومحمد لا يعرف العجمية لكن غاية ذلك الأعجمي كعبد بني الحضرمي أن يعرف قليلا من كلام العرب الذي يحتاج إليه في العادة مثل الألفاظ التي يحتاج إليها في غالب الأوقات كلفظ الخبز والماء والسماء والأرض ولا يعرف أن يقرأ سورة واحدة من القرآن.
فبين سبحانه ظهور كذبهم فيما افتروه ولم يقل أحد منهم ما يمكن أن يكون شبهة من تعلمه أنباء الغيب من علماء أهل الكتاب ونحو ذلك وإنما قالوا ما ظهر بطلانه لكل أحد ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال قولا يخفى بطلانه بل ما يظهر كذبه لكل أحد فتبين أنه لم يمكنهم أن يقولوا إنه تعلم أخبار الغيوب من أحد" [2] ."
لذلك أكد الله تبارك وتعالى في أكثر من موضع أن قصص الأمم السابقة هي من أنباء الغيب، فقال عقب ذكر قصة مريم: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [آل عمران:44] .
إلى غير ذلك من الآيات التي تؤكد تفرد القرآن الكريم بأخبار الأمم والأنبياء السابقين بما ينفى أية شبهة أو زعم يلقيه المنكرون والأعداء، ونعرض في هذا الشأن مثالين فقط؛ اخترناهما لأن البحوث التاريخية المعاصرة أكدت
(1) 1 - الجواب الصحيح (5/ 326 - 328) .
(2) 1 - الجواب الصحيح (5/ 330 - 332) بتصرف.