وإذا تعمقنا قليلًا في بقية النص لوجدناه لا ينطبق إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقول"لا يصيحُ ولا يرفعُ ولا يُسمِعُ في الشارع صوته"، يتفق مع ما ذكره عبد الله بن عمرو بن العاص من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرناه سابقًا، حيث وصفت التوراة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه"لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ".
أما قول"قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ، إلى الأمان يُخرجُ الحقَّ. لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته"، فإنها تتحدث عن صفة هذا النبي المنتظر الذي لا يكل ولا يقف حتى يكمل دعوته ويبلغ رسالة ربه عزوجل، ولا تنطبق هذه الصفة على رسول إلا خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله تعالى في سورة المائدة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة:3] ، بينما ورد عن المسيح عليه السلام في إنجيل يوحنا قوله:"إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم لكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق".
وجملة: (أنا الربُ قد دعوتُك بالبر فأُمسكُ بيدك وأحفظُك وأجعلُك عهدا للشعب ونورا للأمم، لتفتح عيون العُمي لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة) .
دليل آخر على التبشير برسول الله صلى الله عليه وسلم لقد وعد الله هذا النبي المنتظر بأنه سيحفظه حتى يبلغ رسالته وهذا يتوافق مع قوله عزوجل في القرآن الكريم: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة:67] ، وهو ما يتفق كذلك مع ما ورد في حديث"عبد الله بن عمرو بن العاص":"وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا".
والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أخرج الناس من ظلمة الشرك وعبادة الأصنام والمنحوتات إلي عبادة الله الواحد، وهو ما ينطبق عليه ما ورد في هذه البشارة: (أنا الرب هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر، ولا تسبيحي للمنحوتات) .
والنص السابق لا ينطبق على المسيح عليه السلام الذي لم يدع أنه قد أخرج كل الحق للأمم؛ فقد قال المسيح عليه السلام أنه لم يأت إلا لهداية بني إسرائيل كما جاء في إنجيل متى: (لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) .
ومن المعلوم أيضا أن دعوة المسيح عليه السلام لم تظهر في الديار التي سكنها قيدار وهي مكة، ولا رفعت بها الصحراء صوتها، كم أنها قد ظهرت في بني إسرائيل، وهي أمة كتابية ليست من عبدة الأصنام مثل أهل مكة الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وقبل أن نغادر تلك البشارة التي لم نطيل في دراستها، نكشف هذه المفاجأة التي كشفها الدكتور محمد عبد الخالق شربية ( .. والمفاجأة التي وجدناها في النص عند قراءته في النسخة الإنجليزية(وما أكثر المفاجآت عند مقارنة النسخة العربية بالنسخة الإنجليزية!) هو أن كلمة (الأمم) الواردة في النص ليست ترجمة لكلمة (nations) كما هو متوقع، ولكن الكلمة الواردة في النسخة الإنجليزية هي (gentiles) ، وتترجم بالعربية إلى الأمميين .. ويقول قاموس الكتاب المقدس عن هذا اللفظ أن اليهود يستخدمونه على الأمم الأخرى من غيرهم، فهم يعتبرون أنفسهم حملة الرسالات وشعب الله المختار، ويقول أيضا أن اليهود يستخدمونه كمصطلح