ففيها دليل على أن عائشة رضي الله عنها كان من مذهبها جواز الجلوس للتعزية بل وصنعة الطعام ولا شك في علمها وفضلها وكونها رضي الله عنها من أهل الاجتهاد. وبالتالي فانعقاد الإجماع لا يسلم مع خلافها، هذا على الاحتمال الأول.
أما على الاحتمال الثاني: وهو كون جرير رضي الله عنه ناقل لسنة تقريرية فلا شك أن الحجة هي في السنة المأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا في قول عائشة رضي الله عنها ولكن هذا يبقى مجرد احتمال لا ينتهض لإثبات حكم شرعي، إذ من المعلوم أن الأصل في العادات - والتعزية منها في الجملة على ما سبق ترجيحه - الإباحة فالقول بتحريم شيء منها يستلزم تعبد العباد بحكم من الأحكام، والأصل عدم ذلك، والبراءة قاضية بأنه لا تكليم بالمحتمل حتى يثبت ثبوتًا ينقل عن ذلك [1] ، والله أعلم.
الوجه الثاني: كما يمكن أن يناقش أثر جرير بن عبد الله رضي الله عنه، بأنه يدل على أن مجموع الوصفين (الاجتماع، وصنعة الطعام) يعد ضربًا من ضروب النياحة، أما إذا انفرد أحد الوصفين عن الآخر فلا، وبالتالي فالوصفان السابقان علة مركبة، إذا وجدت بكامل أوصافها وجد معلولها وإذا فقد أحد أوصافها لم
(1) قارن: بالدراري المضية للشوكاني (1/ 88) .