الصفحة 19 من 33

إذًا: معرفة سبب ورود الحديث مما يعين الإنسان على فهم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعينه أيضًا في الاستنباط، ومعنى ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما يقول قولًا وكان فيه مناسبة من المناسبات، فإن هذه المناسبة تفسر ذلك النص، فإذا وجه النبي عليه الصلاة والسلام الخطاب لفرد فإنه يختلف عن قوله على المنبر، فإذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر بصيغة الأمر فهذا فيه إشارة إلى التأكيد؛ لأن الخطاب على العامة، والعامة لا يستوون على حد معين؛ ففيهم الضعيف وفيهم الكبير، وفيهم المرأة وفيهم الرجل, وفيهم أيضًا الصغير، وفيهم المريض وذو الحاجة ونحو ذلك، حينما يوجه النبي عليه الصلاة والسلام الخطاب بالأمر للناس عامة هكذا على المنبر يختلف عن الأمر لفرد، كأن يقول: افعل كذا، أو أمرني النبي صلى الله عليه وسلم بهذا ونحو ذلك، فهذا من وجوه أسباب الفهم التي تعين الإنسان على فهم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضًا تجعل الإنسان يفهم قوة الأمر من ضعفه، وبحسب مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبر لحاله, فغالبًا الأوامر إذا اتجهت لجماعة تكون واجبة، والأوامر إذا اتجهت لأفراد تكون مستحبة, هذا هو الغالب، إذا أخذنا الأمر مجردًا عن سياقاته ومجردًا أيضًا عن سبب وروده، فإن هذا يجعل هناك اختلالًا في فهمنا للنص الشرعي، كذلك أيضًا ينبغي أن نفهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يأمر أمرًا بعد سؤال، والأمر بعد سؤال يختلف عن الأمر بلا سؤال، إذا بادر النبي عليه الصلاة والسلام بأمر من غير حاجة ظاهرة للمخاطب، فإن هذا يدل على تأكيد ذلك المأمور به، وأما إذا وجه الأمر بعد سؤال -ولا يعرف ذلك الأمر إلا في هذا الموضع من السنة النبوية- فإن الأغلب في ذلك أن يكون هذا الأمر على وجه الاستحباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت