ولهذا نقول: إذا لم يعمل به أحد من الصحابة فنقول: إن هذا النص قد دخله دخيل، والدخيل في ذلك إما أن يكون قضية عين لا عموم لها، وإما أن يكون أيضًا من المنسوخات، وإما أن يكون هذا النص الوارد عن رسول الله هو من النصوص التي طرأ عليها الخلط في معناها، والمعنى في هذا أن الناقل لها قد وهم في بعض ألفاظها أو قلبها، أو ربما ظن أو كذب في حكايتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكذب في ذلك في النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير؛ لهذا اعتمد الأئمة عليهم رحمة الله تعالى على فتاوى الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بالأخذ بذلك والاعتماد على أقوال الأئمة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى حتى يصح لهم الاستنباط. والوسيلة في ذلك: هو أن يعمد الإنسان في مسائل الاستنباط إلى أقوال الصحابة وأقوال التابعين وأقوال أتباع التابعين، ويرتبهم على هذا الترتيب. فأولى الناس اعتمادًا في أبواب الفقه في أمور العبادات هم أهل المدينة، ويليهم بعد ذلك أهل مكة، فيعمد الإنسان إلى أقوال الصحابة، والصحابة عليهم رضوان الله تعالى هم بمجموعهم على طبقة واحدة، وُيقدَّم في ذلك السابقون الأولون؛ لأنهم أقرب الناس في فهم النصوص الشرعية، وكالعشرة المبشرين بالجنة ومن جاء بعدهم عليهم رضوان الله تعالى، ثم بعد ذلك يستوي الصحابة من جهة الفضل، ويختص بعضهم ببعض الخصائص التي امتاز بمعرفتها، مثلًا بمعرفة الحلال والحرام، أو بمعرفة المواريث، أو بمعرفة أحكام الجهاد، أو بمعرفة أحكام البيوع، ومعرفة بعض المسائل في السياسة الشرعية ونحو ذلك، وبعضهم أيضًا امتاز في أبواب التفسير كما جاء هذا عن عبد الله بن عباس، وكذلك أيضًا جاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى.