كذلك فإن هذا الحديث جاء من غير هذا الوجه من حديث الحارث عن قتادة به موقوفًا، ومن نظر إلى كلام الأئمة النقاد يجد أنهم يعلون هذا الحديث بالوقف، فقد أعله الإمام أحمد رحمه الله، وقال: في رفعه خطأ، وقال يحيى بن معين: ليس يرفع إلا من هذا الوجه، وقال ابن المنذر عليه رحمة الله: ليس بثابت، يعني مرفوعًا، وأعله أيضًا الطحاوي رحمه الله ومال إلى صحة الموقوف، وهذا الحديث يتفرع عنه المسألة التي يتكلم عليها العلماء في مسألة النيابة، أن الإنسان إذا حج عن غيره ولم يحج عن نفسه أنه يلزمه أن يجعل الحجة هذه عن نفسه وإلا لم يجز له الحج أصلًا، قال بعضهم وهو ظاهر المذهب: أن الإنسان إذا حج عن غيره ولم يحج عن نفسه فإن تلك الحجة تقع عن نفسه، وأنها لا تنصرف إلى غيره، وعليه أن يأتي بحجة عن غيره أخرى، وهذا القول فيه نظر، والصواب صحة النيابة عن الغير، ولو لم يحج عن نفسه إذا كان معذورًا بعدم الإتيان إلى مكة، كأن يكون الإنسان مثلًا من أهل الآفاق ولا يستطيع الذهاب إلى مكة، وليس لديه مال، فجاءه رجل رغب أن يحج عنه، فنقول: إن حجته تلك صحيحة، وغاية ما في هذا الحديث في قول عبد الله بن عباس: (حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) ، إشارة إلى الأولى وليس المراد بذلك هو إسقاط الحج وأجره، وأن المراد بهذا هو ألا يفرط الإنسان وهو قادر.