فأهم ما فيها وأشدها خطرًا عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإن انضاف إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الجاهلية تمت الخسارة، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [العنكبوت: 52] ). هذه مقدمة لم يذكر فيها رحمه الله تعالى إلا أن ما سيذكره مما خالف فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الجاهلية، فقال: (هذه أمور) . المشار إليه قوله: (هذه) . الشيء المعقول الموجود في الذهن المنزل منزلة المحسوس، هذا إن كانت هذه المقدمة قبل أن يذكر المسائل وهو الظاهر من حاله رحمه الله تعالى، لأنه لا يصنف ثم بعد ذلك ينظم ويحسن وإنما همه هو الكتابة وحينئذٍٍ كتب المقدمة ابتداءً و (هذه) اسم إشارة، والأصل اسم الإشارة أن يكون موضوعًا لمشار إليه يدرك بالحس، فإذا أشار به إلى شيء معنوي حينئذٍٍ صار مجازًا ولم يكن حقيقة، وأين المشار إليه؟ إذا لم يكن محسوسًا أين يكون؟ نقول: هذا المشار إليه يكون منزلًا في العقل، بمعنى أنه لقوة حضوره نزله منزلة الموجود، إذًا المشار إليه الشيء المعقول الموجود في الذهن المنزل منزلة المحسوس، (هذه أمور) . أمورٌ، وفي نسخةٍ: مسائل. وسبق بيان اللفظين الأمور والمسائل (خالف فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ، (فيها) الضمير يعود على هذه الأمور، أو المسائل، (خالف فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) وهو محمد بن عبد الله، وإذا أطلق في هذه الأمة رسول الله هكذا إطلاقًا ينصرف إليه حتى صار وصفًا أو علمًا بالغلبة (خالف فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما عليه أهل الجاهلية) ، (خالف) الاختلاف والمخالفة أن يأخذ كل واحدٍ طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو قوله، إذًا قوله: (خالف) . ثَمَّ مفاصلة ومباينة وتمام المخالفة في الحال، أي: الوصف، أو في القول، كل منهما أخذ طريقًا مجانبًا عن طريق الآخر فالاختلاف والمخالفة أن يأخذ كلُّ واحدٍ طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو قوله، والخلاف أعم من الضد، لأن كل ضدين مختلفان وليس كل مختلفين ضدين، مختلفان قد يكونا ضدين، والضدان هما اللذان لا يجتمعان ويرتفعان، حينئذٍ لا يجتمعان في وقت واحد وفي شخص واحد، فلا يقال: زَيْدٌ قَائِمٌ قَاعِدٌ. في وقت واحد، فالقيام والقعود ضدان، لماذا؟ لأنه لا يجتمع مع مقابله، فالجلوس أو القعود لا يجتمع مع القيام في وقت واحد، نعم قد يكون في الصباح قائمًا وفي المساء قاعدًا لا بأس لانفكاك الجهة، وأما في وقت واحد وفي زمن واحد ومن شخص واحد فلا يمكن أن يوصف زيد بكونه قائمًا قاعدًا، لكن يمكن أن لا يكون قائمًا ولا قاعدًا، بأن يكون مضطجعًا، بأن يكون مستلقيًا، حينئذٍ نقول: القيام والقعود ضدان. لماذا؟ لأنهما لا يجتمعان فلا يكون الشيء الواحد موصوفًا من جهة واحدة في زمن واحد بأنه قائم قاعد، لكن يمكن أن يفارق زيد هذان الوصفان، فيقال: زَيْدٌ مُضْطَجِعْ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ.