حينئذٍ ليس بقائم وليس بقاعد، هذا هو الشأن في الضدين هذان مختلفان، القيام والقعود ضدان متقابلان، هل هما مختلفان؟ نقول: نعم هما مختلفان وهما ضدان، لكن هل كل مختلفين يكونا ضدين؟ الجواب: لا، مثل ماذا؟ كالأكل والشرب حينئذٍ القيام مثلًا والأكل هذان مختلفان، لكن يمكن أن يجتمعا؟ نعم يمكن أن يجتمعا، فيكون زَيْدٌ قَائِمًا آكِلًا شَارِبًا، لكن قائمًا قاعدًا لا يمكن أن يجتمعا، وأما القيام والأكل فهما مختلفان وليس بضدين فحينئذٍ يمكن أن يجتمعا ويمكن أن يفترقا، فلا يكون قائمًا آكلًا بأن يكون قاعدًا جالسًا صائمًا، أليس كذلك؟ حينئذٍ ثَمَّ فرق بين المختلفين والضدين، وأما النقيضان فهما ما لا يجتمعان ولا يرتفعان: كالليل والنهار لا يجتمع في وقت واحد ليل ونهار معًا، وكذلك لا يمكن أن توجد الدنيا ولا يوجد فيها ليل أو نهار، بل لا بد من أحدهما، حينئذٍ لا يرتفعان فلا بد من أحدهما، ولا يجتمعان، لماذا؟ لكونهما نقيضين، وبخلاف، والخلاف أعم من الضد، لأن كل ضدين مختلفان وليس كل مختلفين ضدين، ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يقتضي التنازع أستعير ذلك، أي: لفظ الخلاف للمنازعة والمجادلة، قال تعالى: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ} . أي: تنازعوا واختصموا، لماذا؟ لأن الاختلاف يقتضي المنازعة، ليس كل خلاف يقتضي المنازعة، لكن بعض الخلاف قد يقتضي المنازعة والخصومة، حينئذٍ أستعير لفظ الخلاف على المنازعة لكونه مُوصِلًا إليه فقال الله تعالى: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ} . وقال سبحانه: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118] . إذًا (هذه أمور خالف) عرفنا المراد بالمخالفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ في طريقٍ مخالفٍ ومباين ومفاصل لطريق عليه أهل الجاهلية، (خالف فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ، (رسول) فاعل خالف، (ما) اسم موصول بمعنى الذي مفعول (خالف) ، أي: الذي عليه أهل الجاهلية، فما موصول الاسم تفيد العموم، خالف أهل الجاهلية النبي - صلى الله عليه وسلم - في ماذا؟ في أقوالهم وفي أفعالهم وفي تروكهم، إذًا ما عليه أهل الجاهلية من قول أو فعل أو ترك هذا وجه العموم هنا في لفظ ما، وهو موصول الاسم يفيد العموم فيصدق على القول وعلى الفعل وعلى الترك، (ما عليه أهل الجاهلية الكتابيين) عرفنا المراد بالجاهلية وأهل الجاهلية فيما سبق، (الكتابيين والأميين) ، في بعض النسخ: من الكتابيين. وهي نسخة مشهورة، والإعراب واضح من حرف جر والكتابيين مجرور بمن والياء هذه جر، وبعض النسخ فيها إسقاط لفظ من (ما عليه أهل الجاهلية الكتابيين والأميين) ، حينئذٍ إعرابه لا بد أن يقدر له فعل محذوف، أعني بأهل الجاهلية الكتابيين والأميين لأن في الأصل أن يكون بدلًا أو عطف بيان مما سبق، ولكن لا يصح لأننا إذا أعربناه بدلًا لقال: الكتابيون والأميون.