(الثالثة والخمسون: إعمال الحيل الظاهرة والباطنة في دفع ماجاءت به الرسل كقوله تعالى: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ} [آل: عمران: 54] ) وذكر الآية الثانية، إعمال الحيل يقال: عَمِلَ عَمَلًا فَعَلَ فَعْلًا عن قصد، وأعمل ذهنه في كذا شغله به وفكر فيه، والحيل جمع حيلة، إعمال الحيل هذا جمع حيلة، قال في المفردات: والحيلة والحويلة ما يُتَوَصَّلُ به إلى حالة ما في خُفْيَة، هذا الأصل في الحيلة أنه شيء قول أو فعل يُتَوَصَّلُ به إلى أمر ما لكنه في خُفْيَة، قد يعلمها تكون ظاهرة لبعض الناس وقد لا يعلمها أحد، ما يُتَوَصَّلُ به إلى حالة ما في خُفْيَة، وأكثر استعمالها في ما في تعاطيه الخبث، يعني: يُتَوَصَّلُ به إلى شيء في خُفْيَةٍ لكن فيه شيء من الخبث. ولذلك قالوا: أكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه حكمة، ولهذا قيل في وصف الله عز وجل: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13] . بكسر الميم أي: الوصول في خفية من الناس إلى ما فيه حكمة، وعلى هذا النحو وُصِفَ بالمكر والكيد لا على الوجه المذموم، هذه من أوصاف الرب جل وعلا لأنه مقام العدل ومقابلة أهل المكر بالمكر وهذا عدل، تعالى الله عن القبيح. والحيلة من الحول وقد قلبت واوها ياء لانكسار ما قبلها .. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. إذًا الحيلة أو الحيل التي ذكرها المصنف هنا جمع حيلة، حيل جمع حيلة، وهي ما يُتَوَصَّلُ به إلى حالة ما في خُفْيَةٍ هذا هو الأصل فيها. إعمال الحيل الظاهرة والباطنة في دفع قالوا: دفع القول قالوا رده بالحجة هذا الأصل فيه، ووصف الحيل بقول الظاهرة والباطنة وفي نسخة الخفية والظاهرة هذا تنويع للحيلة قد يكون باعتبار الشخص وقد يكون باعتبار المخاطب لأنها إذا كانت الحيلة تكون في خفية حينئذٍ الأصل باعتبار الشخص ألا تكون ظاهرة وألا تكون مشهورة، يعني: واضحة، وإنما تكون في خفية قد يشهرها هو بنفسه وقد يفهمها المخاطب، حينئذٍ جاء التقسيم إلى ظاهرة وباطنة، أو خفية وظاهرة إذًا هذا تنويع للحيلة. والظاهرة من ظهر الشيء، أصله أن يحصل شيء على ظهر الأرض فلا يخفى، وبطن إذا حصل في بطنان الأرض فيخفى، إذًا باطن الأرض وظاهرها، ما كان خفيًّا فهو الباطن تحت الأرض، وما كان فوق الأرض فهو الظاهر، والحيل قد تحاط تحت الأرض وقد تحاط فوق الأرض، ثم صار مستعملًا في كل بارز مبصر بالبصر والبصيرة، ولهذا جاء ما ظهر منها وما بطن، متقابلان فهما متقابلان، وجاء كذلك نعمه ظاهرة وباطنة، النعم قد تكون ظاهرة وقد تكون باطنة يعني: بالظاهرة ما نقف عليها، وبالباطنة ما لا نعرفها، والْخَفِيّة من خَفِيَ الشيء خُفْيَةً استتر، ويقابل به الإبداء والإعلان، يعني: الظاهرة والباطنة متقابلان، والخفاء يقابله ماذا؟ الإبداء هذا الأصل فيه، ويقابل به الإبداء والإعلان {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا} [البقرة: 271] . الآية {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ} [الممتحنة: 1] .