فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 397

إذًا من أعمال وخصال أهل الجاهلية من الأميين والكتابيين على جهة سواء إعمالهم الحيل في القضاء على الشرع والحق الذي بعث الله به رسله للتخلص منه ومن العمل به، وقد لا يقدرون على المصارحة بكل ذلك فصاروا يلجئون إلى الحيل الظاهرة، يعني: الأصل في أهل الجاهلية محاربة الحق، ثم قد لا يستطيعون أن يصرحوا بذلك وإنما يلجئون إلى الحيل، ومن الحيل الظاهرة كالقتل، والإخراج من الديار، والإيذاء بكل قول وعمل، وإلصاق التهم والأكاذيب والافتراء عليهم وغير ذلك، وتارة يلجئون إلى الحيل الباطنة من التدبير والكيد والمكر لهم في الخفاء، ومخادعتهم بإظهار إتباعهم كذبًا ونفاقًا، وكل سيأتي مفصلًا في مسائل يذكرها المصنف رحمه الله تعالى. واستدل المصنف على هذه المسألة بآيتين:

الأولى: قوله تعالى: ( {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل: عمران: 54] ) ( {وَمَكَرُواْ} ) هم ( {وَمَكَرَ اللهُ} ) قال ابن كثير: قال تعالى مخبرًا عن ملأ من بني إسرائيل وهذه الآية جاءت فيما يتعلق بشأن عيسى عليه السلام مخبرًا عن ملأ من بني إسرائيل فيما هموا به من الفتك بعيسى عليه السلام وإرادته بالسوء والصلب حين تمالوْا عليه ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان وكان كافرًا أن هنا رجلًا يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك ويفسد الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زانية، حتى استثاروا غضب الملك فبعث بطلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به فلما أحاطوا بمنزله منزل عيسى عليه السلام وظنوا أنهم قد ظفروا به نجاه الله تعالى من بينهم، رفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك، وكان هذا من مكر الله بهم، يعني: مكر الله تعالى بهم هم أرادوا قتل عيسى عليه السلام فألقى الله تعالى الشبه بعيسى على واحد منهم حينئذٍ نفدوا المخطط عليه، فإنه نجا نبيه جل وعلا ورفعه من بين أظهرهم وتركهم في ضلالهم يعمهون يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادًا للحق ملازمًا لهم وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد، ولهذا قال تعالى: ( {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

وهذا المكر الذي وقع من بني إسرائيل بعيسى عليه السلام إنما هو لرد ما جاء به عليه السلام أرادوا إبطال الشريعة حينئذٍ هموا بقتله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت