وقال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] . هذا من الاعتراض على شرعه، الله عز وجل يصطفي من خلقه من يشاء وينزل وحيه على من يشاء {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} وهذا من الاعتراض على شرع الله تعالى ولذلك قال ابن كثير: {وَقَالُوا} أي: كالمعترضين بل هم معترضون {وَقَالُوا} أي: كالمعترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس .. إلى آخر كلامه رحمه الله. فهم اعترضوا على حكمة الله تعالى التي اقتضت وضع النبوة في من يرونه ليس أهلًا لها لكونه من الضعفاء كما مر معنا، ولم يضعها في أحد هذين الرجلين العظيمين في نظرهم وهذا اعتراض على شرعه. وقال تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} . [آل: عمران: 154] . قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد فُسِّر هذا الظن {يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} فُسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وهذا باطل ظن أنه لا ينصر رسوله هذا ظن باطل [لا ينصر] بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وإن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وهذا فاسد. وقد فُسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره إذا أصيب بمصيبة ثم لم يردها إلى قضاء الله تعالى وقدره هذا قد ظَنَّ ظَنّ السوء بربه، لم يكن لقضائه وقدره ولا حكمة له فيه، ففُسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويظهر على الدين كله هذه كلها من الظنون السيئة، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا وتضمنت الآيات السابقة الرد عليها، وقد أثبت الله تعالى لنفسه وصف الحكمة كما مر معنا، واسمه تعالى الحكيم وقال تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} [القمر: 5] أي: لا يفعل إلا لحكمة، وشرعه وأمره ونهيه كله حكمة ولا يأمر بشيء إلا وفيه مصلحة خالصة، وهو مقرر عند أهل العلم أن الله عز وجل لا يأمر بشيء إلا وفيه مصلحة خالصة، يعني: لا يشوبها مفسدة بوجه من الوجوه، أو راجحة يكون فيه شيء من المفسدة لكن هذه المصلحة راجحة على المفسدة، ولا ينهى عن شيء إلا ومفسدته خالصة، يعني: ليس فيه شيء من المصلحة، أو راجحة بمعنى أن يكون فيه مصلحة إلا أنه نهى عنه لكون مفسدته أغلب وأرجح، بل ما خلق شيئًا إلا وهو مبني على حكمة، كل خلقه جل وعلا لحكمة، فالسماوات لحكمة، وخلق الأراضين السبع لحكمة، بل وخلق إبليس لحكمة، وخلق الجبال والسماء والأرض والماء كل ذلك لحكمة، عَلِمَهَا من عَلِمَهَا وجَهِلَهَا من جَهِلَهَا، وعدم العلم بالحكمة لا يلزم منه نفي الحكمة، إذا لم يظهر لك الشيء لأن الله تعالى خلقه لحكمة كذا لا تقل هذا خُلِقَ لا لحكمة، ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: لا يوجد شيء شرّ من جميع الوجوه حتى إبليس.