يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثًا وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه، ثم يجمعهم يوم الجمع فيثيب المطيع ويعذب الكافر. إذًا هذا الخلق كله الوجود لم يكن عبثًا ولم يكن باطلًا، بل لحكمةٍ يعلمها جل وعلا وبينها في مواضع عديدة، وإنما خلقهم ليعبدوه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] . ويوحدوه ثم يجمعهم يوم الجمع حينئذٍ يثيب المطيع ويعذب الكافر، ولهذا قال تبارك وتعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: الذين لا يرون بعثًا ولا معادًا، يعني: {ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} الذين ينفون البعث والمعاد، وإنما يعتقدون هذه الدار فقط {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} . أي: ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم، ثم بَيَّنَ تعالى يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: ثُمَّ بين تعالى أنه عز وجل من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين؛ لأنه تسوية بين مختلفين وهذا محال أن يقع لأنه مناف لحكمة الله تعالى، فقال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} . أي: لا نفعل ذلك، ولم يكن هذا محال، ولا يستوون عند الله، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من دار أخرى يُثاب فيها هذا المطيع ويعاقب فيها هذا الفاجر. إذا كانوا لا يستوون في هذه الدنيا كذلك لا يستوون في الآخرة، فمن امتثل أمر الله تعالى حينئذٍ يثيبه جل وعلا، ومن عصى أمر الله تعالى حينئذٍ الأصل فيه أنه يعذبه جل وعلا، فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع ويعاقب فيها هذا الفاجر، وهذا الإرشاد يدل العقول السليمة والفطر السليمة على أنه لا بد من معادن وجزاء، ولذلك يذكر أهل العلم من أدلة إثبات اليوم الآخر والمعاد والبعث والنشور. العقل، العقل يدل على ذلك خلق الله عز وجل هذا الخلق ثم يأمر وينهى، هذا يمتثل وهذا لا يمتثل محال عقلًا أن هؤلاء يموتون ثم بعد ذلك لا يكون ثم دار يحكم جل وعلا بين الطائفتين وبين الفريقين، لا يستوون البتة، على أنه لا بد من معادن وجزاء. يقول ابن كثير رحمه الله: فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا، هذا العقل يدل عليه مع وجود الدليل الشرعي الواضح البين وهو محل إجماع بين أهل السنة والجماعة، فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا؟ وإذا لم يقع هذا في هذه الدار فتعين أن هناك دار أخرى لهذا الجزاء. انتهى. كلامه رحمه الله تعالى.