هذه المسألة متفقة مع المسألة الثامنة والعشرين، وهي: (أنهم لا يقبلون من الحق إلا الذي مع طائفتهم) ، لأنهم يَهْوَوْنَ من؟ الهوى المراد به المحبة، يعني: (كفرهم بالحق إذا كان مع من لا يَهْوَوْنَهُ) ، أي: يحبونهم، واليهودي إنما يحب من كان على يهوديته، إذًا ما جاء به نصراني لا يُقبل، لأنه من غير الحزب، والنصراني لا يقبل ما جاء به اليهودي ولو كان محقًّا، لماذا؟ لأنه من غير الحزب، ولذلك قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ} . مطلقًا ولو كانوا محقين في بعض ما هم عليه، والعكس بالعكس {وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} كل منهما ينفي الحق الذي مع الآخر، فوجه الاستدلال من الآية واضح.
(الثالثة والثلاثون: إنكارهم ما أقروا أنه من دينهم، كما فعلوا في حج البيت، فقال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] ) .
بَيَّنَ المؤلف في هذه المسألة صورة من صور اتخاذ الجاهليين دينهم لهوًا ولعبًا، سبق هذا معنا (أنهم اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا) وهي: أنهم أنكروا وجحدوا ما أقروا واعترفوا أنه من دينهم، وهذا من التلاعب يقرون أنه من الدين الذي ينتسبون إليه ثم بعد ذلك يكذبون ببعض أفراده، نقول: هذا يسمى ماذا؟ يسمى لعبًا ويسمى لهوًا، ما دام أنك أقررت بملة إبراهيم حينئذٍ كل ما جاء به إبراهيم عليه السلام فالأصل أنه يقبل، فإذا قلت بأنك منتسب إلى ملة إبراهيم ثم تأخذ من القبلة ما تشاء وترد ما تشاء، وتأخذ من الشعائر مناسك وغيرها ما تشاء وتترك ما تشاء، هل هذه النسبة صحيحة؟ الجواب: لا، وهي: أنهم أنكروا وجحدوا ما أقروا واعترفوا أنه من دينهم، فينكرون ما وجب عليهم الإيمان والعمل به، ويزعمون أنه ليس من دينهم، قال المصنف: (كما فعلوا في حج البيت) . وهذا في شأن قريش فإنهم زعموا أنهم على ملة إبراهيم وأقروا بفرضية الحج ومع ذلك لم يكونوا يقفون يوم عرفة بعرفة ما يقفون مع الناس، لماذا؟ لمزيتهم على غيرهم من الناس لأنهم سكان وأهل الحرم فلهم خصيصة، ورد الله عليهم بقوله: ( {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} ) .