فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 397

يقول ابن كثير: يقول تبارك وتعالى ردًّا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله وهذا أعظم. يعني: إذا أقررتم بأنكم على ملة إبراهيم ولو سبق معنا أن اليهود تنتسب إلى إبراهيم عليه السلام، والنصارى تنتسب إلى إبراهيم عليه السلام، وكذلك كفار قريش ينتسبون إلى إبراهيم عليه السلام، ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء ودعوته قائمة على التوحيد الخالص، عبادة الله تعالى وحده دون ما سواه، حينئذٍ الأصل في الانتساب أن يوافق من انتسب إليه، ومع ذلك الواقع يخالف ذلك قال هنا: فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله - يعني: أعظم مخالفة وقعت لإبراهيم عليه السلام هو في إحداث الشرك بالله تعالى - المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء فإنه - أي: إبراهيم عليه السلام - جرد توحيد ربه تبارك وتعالى. فقال سبحانه: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} . أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال حيث خالف طريق من اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد، يعني: من اصطفاه الله عز وجل في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلًا، يعني: نشأ إبراهيم عليه السلام إلى أن مات، واتخذه الله تعالى خليلًا وهو على التوحيد الخالص، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طريق الضلالة والغي فأيُّ سفه أعظم من هذا أم أيُّ ظلم أكبر من هذا، قال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه. ... إلى آخر كلامه، وكما سبق أن أهل الكتاب أنكروا ما أقروا به أنه من دينهم وهو وصف محمد - صلى الله عليه وسلم -، والتوحيد أعظم ما جاءت به الرسل ومع ذلك وقعوا في الشرك الأكبر، واتفقت الرسل على الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك فأعظم مخالفة وقعت للرسل عمومًا ومنهم من انتسبوا إليه وهو إبراهيم عليه السلام وهو التوحيد والوقوع في الشرك، وخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل الله عليه بيان حال من أنكر ما أقر به من أنه من دينه، قال تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [آل عمران: 86 - 89] . ... إلى آخر الآيات، وبَيَّنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - جزائهم في الدنيا فقال عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه» . هذا جزاؤه، من أنكر شيئًا من أمر الدين وهو مجمع عليه حينئذٍ يعتبر مرتدًا كافرًا حلال الدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت