فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 397

لماذا؟ لأنهم إنما أرادوا الصد عن الحق ثم بعد ذلك لا يعملون بما ادعوا أنه حق من طائفتهم، فبالآية تكذيب من الله تعالى لهم في دعواهم تلك، فلو كانوا يؤمنون بما أنزل عليهم لما قتلوا الأنبياء، فقتلهم للأنبياء يدل على أنهم كَذَبَةٌ في دعواهم، ومثل هذا قوله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] . قال: {كَذَّبْتُمْ} . هذا فعل ماضي، وقال: {تَقْتُلُونَ} . هذا فعل مضارع، قال المفسرون: فيه إشارة إلى أن اليهود تقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه عبر في التكذيب بالفعل الماضي وقد حصل، وعبر بالفعل المضارع في القتل لأنه بعد لم ينتهِ قتلهم، وبين الله تعالى أنهم لم يؤمنوا ولم يقيموا التوراة والإنجيل، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ} [المائدة: 65، 66] . لو أنهم أقاموا، إذًا هذه شهادة ممن؟ من الله عز وجل على أن أولئك الأقوام الذين يتعصبون ويدعون أنهم على إتباع دينهم ورسلهم موسى في التوراة وعيسى في الإنجيل أنهم كاذبون بدليل ماذا؟ ما سبق وأن الله تعالى شهد عليهم أنهم لم يقيموا التوراة والإنجيل إذ لو أقاموا التوراة والإنجيل لما قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} . يعني على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - {لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} ، أي: لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير لقادهم ذلك إلى إتباع الحق والعمل بمقتضاه ما بعث الله به محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فإن كتبه جل وعلا ناطقة بتصديقه والأمر بتباعه حتمًا لا محالة، ولذلك جاء نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ردًّا على هؤلاء بالربط بين القول والعمل، بمعنى أن أولئك الأقوام ادعوا بألسنتهم أنهم لا يقبلون الحق إلا من طائفتهم، إذًا هم يزعمون أنهم يسعون وراء الحق، نقول: هذه دعوة لا بد من أن يتبع العلم أو الدعوة بالعمل، فإن عملوا بذلك الحق الذي ادعوا أنهم متمسكون به حينئذٍ وإلا فهم كَذَبَةٌ، يعني: لا بد أن يُنظر في قوله وعمله معًا، لا يُنظر في القول فقط ونترك العمل، لا، لا بد أن يجمع بين الأمرين، فمجرد القول دعوى، فلا بد من دليل يثبت صدقها إذا قال: أنا مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت