إيش عندكم النسخة؟ [يعلمون] ؟ على كلٍّ يحتمل أنه في الأولى أنهم يعلمون في السابقة (أنهم لا يقبلون من الحق إلا الذي مع طائفتهم) ، حينئذٍ إذا علموا الحق في زعمهم لا يعملون به هذا يحتمل، ويحتمل أنه (لا يعلمون بما تقوله طائفتهم، كما نبه الله تعالى عليه بقوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ) ، هذا يدل على أن يعملون هي أصح، ( {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ} ) ، إذًا إذا علمتم من الحق الذي في طائفتكم دينكم بأنه لا يُقتل الأنبياء هل عملتم بهذا العلم أم لا؟ لم يعملوا، فقتلوا الأنبياء، هل التوراة تأمر بقتل الأنبياء؟ لا، هل الإنجيل تأمر بقتل الأنبياء؟ لا، إذًا هذا حق وقد ادعيتم أنه لا يقبل غير الحق الذي أنتم عليه، ومقرر في التوراة أن الأنبياء لا يقتلون، ومقرر في الإنجيل أن الأنبياء لا يقتلون، هل عملتم بهذا العلم أم لا؟ تعصبوا لطائفتهم بأن الحق معهم لا مع غيرهم ومع ذلك لا علم ولا عمل، فهذه المسألة مكملة للسابقة فهم قد ادعوا أنهم آمنوا بما معهم من الحق، ومع هذا فلم يعملوا بما تقوله طائفتهم، بل فرقوا فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، فدل ذلك على أن تعصبهم لطائفتهم القصد منه رد الحق فقط، يعني: أرادوا أشبه ما يكون بحجة ترمى في وجه من أراد أن يقول الحق، فإذا قيل بالحق حينئذٍ قيل له: نحن لا نقبل إلا من اليهودية، نحن لا نقبل إلا من النصرانية، نحن لا نقبل إلا من رؤساء هذا الحزب، أو هذه الطائفة، أو الجماعة. فلا يقبلون من غيرهم، ولا يناقشون غيرهم في قبول الحق، وعدم المناقشة وعدم القبول المراد به رد الحق فحسب، يعني: أشبه ما يكون متمسكًا لهم، ولهذا لما قالوا كما في المسألة السابقة {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} رد الله عليهم بقوله: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم فلم قتلتم الأنبياء الذين جاؤوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها وأنتم تعلمون صدقهم وقتلتموهم بغيًا وعنادًا واستكبارًا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي. قاله ابن كثير رحمه الله تعالى. قال ابن جرير: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل إذا قلت لهم ... {آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} لم تقتلون إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله؟ لم تقتلون أنبياء الله يا معشر اليهود وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم، بل أمركم بإتباعهم وطاعتهم وتصديقهم وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} . وتعيير لهم، إذًا قولهم: لا نقبل إلا من طائفتنا قول باطل.